تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
أن يكون فيه مصلحة أو مفسدة ، فإن كان فيه مصلحة فلم قال : * ( ولكِنْ كَرِه اللَّه انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ ) * وإن كان فيه مفسدة فلما ذا عاتب نبيه صلى اللَّه عليه وسلم في إذنه لهم في القعود ؟ والجواب عن هذا السؤال : أن خروجهم مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كان فيه مفسدة عظيمة : بدليل أنه - سبحانه - أخبر بتلك المفسدة بقوله * ( لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا ) * . بقي أن يقال . فلم عاتب اللَّه نبيه بقوله : لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ فنقول : إنه صلى اللَّه عليه وسلم أذن لهم قبل إتمام الفحص ، وإكمال التدبير والتأمل في حالهم ، فلهذا السبب قال - تعالى - لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ وقيل إنما عاتبه لأجل أنه أذن لهم قبل أن يوحى إليه في أمرهم بالقعود « 1 » . وقوله . * ( وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ ) * تذييل المقصود منه ذمهم ووصفهم بالجبن الخالع ، والهمة الساقطة ، لأنهم بقعودهم هذا سيكونون مع النساء والصبيان والمرضى والمستضعفين الذين لا قدرة لهم على خوض المعارك والحروب . قال الآلوسي . وقوله : * ( وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ ) * : تمثيل لخلق اللَّه داعية القعود فيهم ، وإلقائه كراهة الخروج في قلوبهم بالأمر بالقعود أو تمثيل لوسوسة الشيطان بذلك فليس هناك قول حقيقة . ويجوز أن يكون حكاية قول بعضهم لبعض أو حكاية لإذن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم لهم في القعود ، فيكون القول على حقيقته « 2 » . هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية . أن الفعل يحسن بالنية ويقبح بها . أيضا . ، وإن استويا في الصورة ، لأن النفير واجب مع نية النصر . وقبيح مع إرادة تحصيل القبيح ، وذلك لأنه . تعالى . أخبر أنه كره انبعاثهم لما يحصل من إرادة المكر بالمسلمين . ومنها : أن للإمام أن يمنع من يتهم بمضرة المسلمين من الخروج للجهاد حماية لهم من شروره ومفاسده . ومنها : أن إعداد العدة للجهاد أمر واجب ، وقد قال - تعالى - في آية أخرى : وأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ « 3 » . ثم بين - سبحانه - المفاسد المترتبة على خروج المنافقين في جيش المؤمنين فقال : * ( لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا ) * ، وأصل الخبال . الاضطراب والمرض الذي يؤثر في العقل كالجنون ونحوه . أو هو الاضطراب في الرأي .
هامش
( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 287 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 10 ص 111 . بتصرف يسير . ( 3 ) تفسير القاسمي ج 8 ص 3167 .