تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
ثم عاتب اللَّه : تعالى . نبيه صلى اللَّه عليه وسلم عتابا رقيقا لأنه أذن للمنافقين بالتخلف عن الجهاد حين طلبوا منه ذلك ، دون أن يتبين أحوالهم فقال . تعالى . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 43 ] عَفَا اللَّه عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ ( 43 ) قال ابن كثير . قال مجاهد . نزلت هذه الآية في أناس قالوا : استأذنوا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فإن أذن لكم فاقعدوا . وإن لم يأذن لكم فاقعدوا . والعفو : يطلق على التجاوز عن الذنب أو التقصير ، كما يطلق على ترك المؤاخذة على عدم فعل الأولى والأفضل ، وهو المراد هنا . والمعنى : عفا اللَّه عنك يا محمد ، وتجاوز عن مؤاخذتك فيما فعلته مع هؤلاء المنافقين من سماحك لهم بالتخلف عن الجهاد معك في غزوة تبوك ، حين اعتذروا إليك بالأعذار الكاذبة ، وكان الأولى بك أن تتريث وتتأنى في السماح لهم بالتخلف ، حتى يتبين لك الذين صدقوا في اعتذارهم من الذين كذبوا فيه ، فقد كانوا - إلا قليلا منهم - كاذبين في معاذيرهم ، وكانوا مصرين على القعود عن الجهاد حتى ولو لم تأذن لهم به . وقدم سبحانه . العفو على العتاب . وهو قوله : * ( لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ) * - للإشارة إلى المكانة السامية التي له صلى اللَّه عليه وسلم عند ربه . قال بعض العلماء : هل سمعتم بعتاب أحسن من هذا ؟ لقد خاطبه سبحانه بالعفو قبل أن يذكر المعفو عنه . وقال العلامة أبو السعود ما ملخصه : وعبر - سبحانه - عن الفريق الأول بالموصول الذي صلته فعل دال على الحدوث ، وعن الفريق الثاني باسم الفاعل المفيد للدوام ، للإيذان بأن ما ظهر من الأولين صدق حادث في أمر خاص غير مصحح لنظمهم في سلك الصادقين ، وبأن ما صدر من الآخرين ، وإن كان كذبا حادثا متعلقا بأمر خاص لكنه أمر جار على عادتهم المستمرة ، ناشئ عن رسوخهم في الكذب . وعبر عن ظهور الصدق بالتبين ، وعما يتعلق بالكذب بالعلم ، لما هو المشهور من أن مدلول الخبر هو الصدق ، والكذب احتمال عقلي ، فظهور صدق الخبر إنما هو تبين ذلك المدلول ، وانقطاع احتمال نقيضه بعد ما كان محتملا له احتمالا عقليا . وأما كذبه فأمر حادث لا دلالة