تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
الأخبار المتظاهرة عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه حين بعث عليا ببراءة إلى أهل العهود بينه وبينهم أمره فيما أمره أن ينادى به فيهم « ومن كان بينه وبين رسول اللَّه عهد فعهده إلى مدته » . وهو أوضح دليل على صحة ما قلنا . وذلك أن اللَّه لم يأمر نبيه صلى اللَّه عليه وسلم بنقض عهد قوم كان عاهدهم إلى أجل ، فاستقاموا على عهدهم بترك نقضه ، وأنه إنما أجل أربعة أشهر من كان قد نقض عهده قبل التأجيل ، أو كان له عهد إلى أجل غير محدود ، فأما من كان أجل عهده محدودا ، ولم يجعل بنقضه على نفسه سبيلا ، فإن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كان بإتمام عهده إلى غاية أجله مأمورا ، وبذلك بعث مناديه في أهل الموسم من العرب . . » « 1 » . والذي يبدو لنا بعد مراجعة الأقوال المتعددة في شأن من تنطبق عليهم هذه المهلة من المشركين - أن ما اختاره ابن جرير هو خير الأقوال وأقواها ، لأن النصوص من الكتاب والسنة تؤيده . ومن أراد معرفة هذه الأقوال بالتفصيل فليراجع ما كتبه المفسرون في ذلك . ثم بين - سبحانه - أن هذا الإمهال للمشركين لن ينجيهم من إنزال العقوبة بهم متى استمروا على كفرهم فقال - تعالى - : * ( واعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّه ، وأَنَّ اللَّه مُخْزِي الْكافِرِينَ ) * . أي : واعلموا - أيها المشركون - أنكم بسياحتكم في الأرض خلال تلك المهلة لن تعجزوا اللَّه - تعالى - في طلبكم ، فأنتم حيثما كنتم تحت سلطانه وقدرته ، واعلموا كذلك أنه - سبحانه - مذل للكافرين ، في الدنيا بالقتل والأسر ، وفي الآخرة بالعذاب المهين . فالآية الكريمة قد ذيلت بما يزلزل قلوب المشركين بالحقيقة الواقعة ، وهي أن ذلك الإمهال لهم ، وتلك السياحة في الأرض منهم ، كل هذا لن يجعلهم في مأمن من عقاب اللَّه ، ومن إنزال الهزيمة بهم ، لأنهم في قبضته . ومهما أعدوا خلال تلك المهلة من عدد وعدد لقتال المؤمنين ، فإن ذلك لن ينفعهم ، لأن سنته - سبحانه - قد اقتضت أن يجعل النصر والفوز للمؤمنين والخزي والسوء على الكافرين . قال الفخر الرازي ما ملخصه ، وقوله : * ( واعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّه ) * . المقصود منه : أنى أمهلتكم - أيها المشركون - وأطلقت لكم السياحة في الأرض - فافعلوا كل ما
هامش
( 1 ) راجع تفسير ابن جرير ج 10 ص 62 طبعة مصطفى الحلبي الطبعة الثانية سنة 1373 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 200 | سيد محمد طنطاوي