تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
ويؤخذ من تقرير الهدنة للأعداء في هذا المقام تقرر مبدأ الهدنة والصلح في الإسلام ، طلبها العدو أم تقدم بها المسلمون ، وأصل ذلك مع هدنة المشركين هذه قوله - تعالى - في سورة الأنفال . . وإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه وأن مدتها تكون على حسب ما يرى الإمام وأرباب الشورى المقررة في قوله - تعالى - وشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ « 1 » . وقد اختلف المفسرون في ابتداء هذه الأشهر الأربعة فقال مجاهد والسدي وغيرهما : كان ابتداء هذه الأشهر الأربعة يوم الحج الأكبر من السنة التاسعة ونهايتها في العاشر من شهر ربيع الآخر من السنة العاشرة ، وذلك لأن المشركين قد أعلموا بهذه المهلة يوم النحر من السنة التاسعة على لسان علي بن أبي طالب - كما سبق أن بينا . وقيل كان ابتداء هذه الأشهر الأربعة يوم النحر لعشر من ذي القعدة من السنة التاسعة ونهايتها في اليوم العاشر من شهر ربيع الأول من السنة العاشرة ، وذلك لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت بسبب النسيء الذي ابتدعه المشركون . والرأي الأول أرجح وعليه الأكثرون ، لأن معظم الآثار تؤيده . وكذلك اختلف المفسرون اختلافا كبيرا فيمن تنطبق عليهم هذه المهلة ، فقال مجاهد هذا تأجيل للمشركين مطلقا ، فمن كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر رفع إليها ، ومن كانت أكثر حط إليها ، ومن كان عهده بغير أجل حد بها . ثم هو بعد ذلك حرب للَّه ولرسوله ، يقتل حيث أدرك ، ويؤسر ، إلا أن يتوب ويؤمن « 2 » . وقال آخرون : كانت هذه الأربعة الأشهر مهلة لمن له عهد دون الأربعة الأشهر ، فأما من كان له عهد مؤقت فأجله إلى مدته مهما كانت هذه المدة لقوله - تعالى - بعد ذلك : * ( فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ ) * . وهذا القول قد اختاره ابن جرير وغيره ، فقد قال ابن جرير - بعد أن ذكر عدة أقوال في ذلك : « وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : الأجل الذي جعله اللَّه إنما هو لأهل العهد الذين ظاهروا على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ونقضوا عهدهم قبل انقضاء مدته ، فأما الذين لم ينقضوا عهدهم ، ولم يظاهروا عليه ، فإن اللَّه - تعالى - أمر نبيه صلى اللَّه عليه وسلم بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدته بقوله : * ( إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) * ، ثم قال : وبعد ففي
هامش
( 1 ) تفسير القرآن الكريم ص 616 لفضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت . طبعة دار القلم . الطبعة الرابعة سنة 1966 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 263 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 199 | سيد محمد طنطاوي