استمع إلى السورة الكريمة وهي تصور كل هذه المعاني بأسلوبها البليغ الحاسم فتقول :
بَراءَةٌ مِنَ اللَّه ورَسُولِه إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، واعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّه وأَنَّ اللَّه مُخْزِي الْكافِرِينَ وأَذانٌ مِنَ اللَّه ورَسُولِه إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّه بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ورَسُولُه فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، وإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّه ، وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ .
ثم تسوق السورة بعد ذلك الأسباب التي دعت إلى البراءة من المشركين . والتي أوجبت على المؤمنين قتالهم ، وحرضتهم على ذلك بأنواع من المشجعات فقالت :
أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، أَتَخْشَوْنَهُمْ ؟ فَاللَّه أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّه بِأَيْدِيكُمْ ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ويَتُوبُ اللَّه عَلى مَنْ يَشاءُ واللَّه عَلِيمٌ حَكِيمٌ .
ثم توجه السورة الكريمة خطابها إلى الذين شق عليهم القتال من المؤمنين ، وتبين أن الحكمة في الأمر به ، إنما هي الامتحان والتمحيص فتقول :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا ولَمَّا يَعْلَمِ اللَّه الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ، ولَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّه ولا رَسُولِه ولَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً واللَّه خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ .
ثم تصرح السورة الكريمة بعد ذلك بأن المؤمنين وحدهم هم الذين من حقهم أن يعمروا مساجد اللَّه . . . أما المشركون فليس من حقهم ذلك بسبب كفرهم ونجاستهم .
قال تعالى : ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّه شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّه مَنْ آمَنَ بِاللَّه والْيَوْمِ الآخِرِ وأَقامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّه فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ .
فإذا ما وصلنا إلى الرابع الثاني من سورة التوبة رأيناها في أوائله توجه إلى المؤمنين نداء تأمرهم فيه أن يؤثروا محبة اللَّه ورسوله على محبة الآباء والأبناء والأموال . . وتهدد من يخالف ذلك فتقول :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمانِ ، ومَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وأَبْناؤُكُمْ وإِخْوانُكُمْ وأَزْواجُكُمْ وعَشِيرَتُكُمْ وأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ، ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّه ورَسُولِه وجِهادٍ فِي سَبِيلِه ، فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّه بِأَمْرِه ، واللَّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 186
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص١٨٦