تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
فمثلا عندما نقرأ سورة الأنفال نراها تتحدث عن حالة المسلمين قبل الهجرة كما في قوله - تعالى - واذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ . . . الآية 26 . كما تتحدث عن المكر السيئ الذي صدر عن المشركين والذي كان من أسباب الهجرة ، كما في قوله - تعالى - وإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّه واللَّه خَيْرُ الْماكِرِينَ الآية 30 . ثم نراها تفيض في الحديث عن غزوة بدر ، وتشير إلى ما ظهر من المنافقين فيها إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ . الآية 49 . وإلى ما حدث من اليهود من نقض للعهود وإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّه لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ الآية 58 . أما سورة التوبة فنراها تذكر المسلمين بالنصر الذي منحه اللَّه لهم في مواطن كثيرة قال - تعالى - لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّه فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ . . . « الآية 25 » كما تصف بالتفصيل مواقف المنافقين في غزوة تبوك وغيرها . ولعل قيام السورتين الكريمتين بإعطاء القارئ ما يشبه أن يكون صورة تاريخية مجملة للدعوة الإسلامية هو الحكمة في وضعهما مقترنتين وفي تسميتهما بالقرينتين . قال القرطبي : كانتا تدعيان القرينتين فوجب أن تجمعا وتضم إحداهما إلى الأخرى للوصف الذي لزمهما من الاقتران ورسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حي . « 1 » . 7 - المقاصد الإجمالية لسورة التوبة : عندما نقرأ سورة التوبة بتأمل وتدبر نراها في مطلعها تحدد تحديدا حاسما المنهاج الذي يجب أن يسلكه المؤمنون في علاقتهم مع المشركين ، وتبين بوضوح وجلاء الأسباب التي تدعو المؤمنين إلى التزام هذا المنهاج . فهي في أولها تعلن براءة اللَّه ورسوله من المشركين بسبب خيانتهم ، وتمنحهم الأمان لمدة أربعة أشهر لكي يدبروا فيها أمر أنفسهم ، وتعلن للناس عامة يوم الحج الأكبر أن اللَّه ورسوله قد برئا من عهود المشركين ، وأنها قد نبذت إليهم ، وتستثني من هؤلاء المشركين أولئك الذين لم ينقضوا ، فتأمر المؤمنين بأن يتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ، فإذا ما انتهت مدة الأمان فعلى المؤمنين أن يقتلوا المشركين الناكثين حيث وجدوهم ، وأن يؤمنوا من يطلب الأمان منهم حتى يسمع القرآن ويتدبره ، ويطلع على حقيقة الإسلام . وبذلك لا يبقى له عذر .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 8 ص 63 .