وقول خامس : قال عبد اللَّه بن عباس : سألت علي بن أبي طالب لما ذا لم يكتب في براءة بسم اللَّه الرّحمن الرحيم ؟ قال : لأن بسم اللَّه الرحمن الرحيم أمان ، وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان .
- وكذا قال المبرد : إن التسمية افتتاح للخير ، وأول هذه السورة وعيد ونقض عهود ، فلذلك لم تفتتح بالتسمية .
ثم قال القرطبي والصحيح أن التسمية لم تكتب ، لأن جبريل - عليه السلام - ما نزل بها في هذه السورة . . » « 1 » .
هذا ، وقول القرطبي : والصحيح أن التسمية لم تكتب . . . إلخ ، هو القول الذي نعتمده ، وتطمئن إليه قلوبنا ، وقد رجحه المحققون من العلماء .
فقد قال الفخر الرازي - وقد ذكر ستة أوجه في سبب إسقاط التسمية من أولها - :
الصحيح أنه صلى اللَّه عليه وسلم أمر بوضع هذه السورة بعد سورة الأنفال وحيا ، وأنه حذف بسم اللَّه الرحمن الرحيم من أول هذه السورة وحيا « 2 » .
وقال الجلال : ولم تكتب فيها البسملة لأنه صلى اللَّه عليه وسلم لم يأمر بذلك ، كما يؤكد من حديث رواه الحاكم .
أي أنه - كما يقول الجمل - لا مدخل لرأى أحد في الإثبات والترك ، وإنما المتبع في ذلك هو الوحي والتوقيف وحيث لم يبين النبي صلى اللَّه عليه وسلم ذلك تعين ترك التسمية ، لأن عدم البيان من الشارع في موضع البيان بيان للعدم » « 3 » .
وقال بعض العلماء : ولم تكتب في أولها البسملة لعدم أمره صلى اللَّه عليه وسلم بكتابتها ، إذ لم ينزل بها جبريل - عليه السلام - والأصل في ذلك التوقيف » .
أما الأقوال الخمسة التي نقلناها عن القرطبي - منذ قليل - في سبب سقوط البسملة من أول سورة التوبة ، فإننا لا نرى واحدا منها يعتمد عليه في هذا الأمر . لأن القول الأول الذي حكاه بقوله : قيل كان من شأن العرب . . . إلخ . إنما هو تعليل عقلي على سبيل الاجتهاد لبيان الحكمة في عدم كتابة البسملة في أولها . ومثل هذا التعليل يقال في القول الخامس الذي حكاه ابن عباس ، عن علي بن أبي طالب .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 8 ص 61 طبعة دار الكتب المصرية سنة 1380 ه سنة 1961 م . [ . . . ]
( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 15 ص 216 . طبعة عبد الرحمن محمد سنة 1357 ه سنة 1938 م .
( 3 ) حاشية الجمل على الجلالين . ج 2 ص 261 . طبعة عيسى الحلبي .