والمعنى ولو عاينت وشاهدت أيها العاقل حال الذين كفروا حين يتوفى اللَّه أرواحهم ، لعاينت وشاهدت منظرا مخيفا ، وأمرا فظيعا تقشعر من هوله الأبدان .
ثم فصل اللَّه - سبحانه - هذا المنظر المخيف بجملة مستأنفة فقال : * ( الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وأَدْبارَهُمْ ) * والمراد بوجوههم : ما أقبل منهم وبأدبارهم : ما أدبر وهو كل الظهر .
أي : الملائكة عندما يتوفى اللَّه - تعالى - هؤلاء الكفرة يضربون ما أقبل منهم وما أدبر ، لإعراضهم عن الحق ، وإيثارهم الغي على الرشد .
ومنهم من يرى أن الفعل * ( يَتَوَفَّى ) * فاعله * ( الْمَلائِكَةُ ) * وأن قوله * ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) * هو المفعول وقدم على الفاعل للاهتمام به .
وعليه تكون جملة * ( يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ . . ) * حال من الفاعل وهو الملائكة .
فيكون المعنى : ولو رأيت - أيها العاقل - حال الكافرين عندما تتوفى الملائكة أرواحهم فتضرب منهم الوجوه والأدبار ، لرأيت عندئذ ما يؤلم النفس ، ويخيف الفؤاد .
ويبدو لنا أن التفسير الأول أبلغ ، لأن توضيح وتفصيل الرؤية بالجملة الاسمية المستأنفة خير منه بجملة الحال ، ولأن إسناد التوفي إلى اللَّه أكثر مناسبة هنا ، إذ أن اللَّه - تعالى - قد بين وظيفة الملائكة هنا فقال : * ( يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وأَدْبارَهُمْ ) * .
وخص - سبحانه - الضرب للوجوه والأدبار بالذكر ، لأن الوجوه أكرم الأعضاء ، ولأن الأدبار هي الأماكن التي يكره الناس التحدث عنها فضلا عن الضرب عليها . أو لأن الخزي والنكال في ضربهما أشد وأعظم .
وقوله : * ( وذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ) * معطوف على قوله * ( يَضْرِبُونَ ) * بتقدير القول .
أي يضربون وجوههم وأدبارهم ويقولون لهم : ذوقوا عذاب تلك النار المحرقة التي كنتم تكذبون بها في الدنيا .
والذوق حقيقة إدراك المطعومات . والأصل فيه أن يكون في أمر مرغوب في ذوقه وطلبه .
والتعبير به هنا عن ذوق العذاب هو لون من التهكم عليهم ، والاستهزاء بهم ، كما في قوله - تعالى - : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ وهو أيضا يشعر بأن ما وقع عليهم من عذاب إنما هو بمنزلة المقدمة لما هو أشد منه ، كما أن الذوق عادة يكون كالمقدمة للمطعوم أو الشيء المذاق .
وقوله : * ( ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وأَنَّ اللَّه لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) * بيان للأسباب التي أدت بهم إلى هذا المصير السيئ . وأنهم هم الذين جنوا على أنفسهم بشؤم صنيعهم ، وانقيادهم للهوى والشيطان .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 125
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص١٢٥