أقول : عندما يتدبر ذلك ليرى أن هذا القول دأب كل المنافقين والذين في قلوبهم مرض في كل زمان ومكان .
إننا في عصرنا الحاضر رأينا كثيرين من أصحاب العقيدة السليمة ، والنفوس النقية ، والقلوب المضحية بكل شيء في سبيل نصرة الحق . . رأينا هؤلاء يبلغون رسالات اللَّه دون أن يخشوا أحدا سواه ويهاجمون الطغاة والمبطلين والفجار ، ليمكنوا لدين اللَّه في الأرض ، حتى ولو أدت بهم هذه المهاجمة إلى بذل أرواحهم .
ورأينا في مقابل هؤلاء الصادقين أقواما - ممن آثروا شهوات الدنيا على كل شيء - لا يكتفون بالصمت وهم يشاهدون أصحاب العقيدة السليمة يصارعون الطغاة .
بل هم - بسبب خلو نفوسهم من المثل العليا - يلقون باللوم على هؤلاء المؤمنين ، ويقولون ما حكاه القرآن من أقوال في أشباههم السابقين من المنافقين والذين في قلوبهم مرض : غر هؤلاء دينهم .
إنهم لا يدركون الأمور ببصيرة المؤمن ، ولا يزنونها بميزان الإيمان .
إن المؤمن يرى التضحية في سبيل الحق مؤدية إلى إحدى الحسنين النصر أو الشهادة .
أما هؤلاء المنافقون والذين في قلوبهم مرض ، فلا يرون الحياة إلا متعة وشهوة وغنيمة فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ « 1 » .
وقوله - تعالى - * ( ومَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه فَإِنَّ اللَّه عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) * حض للمؤمنين على التمسك بما يدعوهم إليه إيمانهم من استقامة وقوة . .
أي : ومن يكل أمره إلى اللَّه ، ويثق به - ينصره - سبحانه - على أعدائه ، فإنه - عز وجل - عزيز لا يغلبه شيء ، حكيم فيما يدبر من أمر خلقه .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد صورت تصويرا بديعا ما عليه الكافرون وأشباههم من بطر ومفاخرة وصد عن سبيل اللَّه . . ومن طاعة للشيطان أوردتهم المهالك .
وحكت ما قالوه من أقوال تدل على جبنهم وجهلهم وانطماس بصيرتهم .
ونهت المؤمنين عن التشبه بهم ، لأن البطر والمفاخرة والبغي ، واتباع الشيطان : كل ذلك يؤدى إلى خزي الدنيا وعذاب الآخرة .
ولقد كان أبو جهل قمة في البغي والبطر والمراءاة عندما قال - بعد أن نصحه الناصحون
هامش
( 1 ) سورة التوبة الآية 58 .