تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
أقول : عندما يتدبر ذلك ليرى أن هذا القول دأب كل المنافقين والذين في قلوبهم مرض في كل زمان ومكان . إننا في عصرنا الحاضر رأينا كثيرين من أصحاب العقيدة السليمة ، والنفوس النقية ، والقلوب المضحية بكل شيء في سبيل نصرة الحق . . رأينا هؤلاء يبلغون رسالات اللَّه دون أن يخشوا أحدا سواه ويهاجمون الطغاة والمبطلين والفجار ، ليمكنوا لدين اللَّه في الأرض ، حتى ولو أدت بهم هذه المهاجمة إلى بذل أرواحهم . ورأينا في مقابل هؤلاء الصادقين أقواما - ممن آثروا شهوات الدنيا على كل شيء - لا يكتفون بالصمت وهم يشاهدون أصحاب العقيدة السليمة يصارعون الطغاة . بل هم - بسبب خلو نفوسهم من المثل العليا - يلقون باللوم على هؤلاء المؤمنين ، ويقولون ما حكاه القرآن من أقوال في أشباههم السابقين من المنافقين والذين في قلوبهم مرض : غر هؤلاء دينهم . إنهم لا يدركون الأمور ببصيرة المؤمن ، ولا يزنونها بميزان الإيمان . إن المؤمن يرى التضحية في سبيل الحق مؤدية إلى إحدى الحسنين النصر أو الشهادة . أما هؤلاء المنافقون والذين في قلوبهم مرض ، فلا يرون الحياة إلا متعة وشهوة وغنيمة فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ « 1 » . وقوله - تعالى - * ( ومَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه فَإِنَّ اللَّه عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) * حض للمؤمنين على التمسك بما يدعوهم إليه إيمانهم من استقامة وقوة . . أي : ومن يكل أمره إلى اللَّه ، ويثق به - ينصره - سبحانه - على أعدائه ، فإنه - عز وجل - عزيز لا يغلبه شيء ، حكيم فيما يدبر من أمر خلقه . وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد صورت تصويرا بديعا ما عليه الكافرون وأشباههم من بطر ومفاخرة وصد عن سبيل اللَّه . . ومن طاعة للشيطان أوردتهم المهالك . وحكت ما قالوه من أقوال تدل على جبنهم وجهلهم وانطماس بصيرتهم . ونهت المؤمنين عن التشبه بهم ، لأن البطر والمفاخرة والبغي ، واتباع الشيطان : كل ذلك يؤدى إلى خزي الدنيا وعذاب الآخرة . ولقد كان أبو جهل قمة في البغي والبطر والمراءاة عندما قال - بعد أن نصحه الناصحون
هامش
( 1 ) سورة التوبة الآية 58 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 123 | سيد محمد طنطاوي