تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
وقال الإمام الزمخشري - رحمه اللَّه - فإن قلت : ما فائدة هذا التوقيت ، وذكر مراكز الفريقين ، وأن العير كانت أسفل منهم ؟ . قلت : الفائدة فيه الإخبار عن الحال الدالة على قوة الشأن للعدو ، وتكامل عدته ، وتمهد أسباب الغلبة له ، وضعف شأن المسلمين ، والتياث أمرهم ، وأن غلبتهم في هذه الحال ليس إلا صنعا من اللَّه - سبحانه - ودليلا على أن ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله وقوته وباهر قدرته . وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون ، كان فيها الماء ، وكانت أرضا لا بأس بها . ولا ماء بالعدوة الدنيا ، وهي خبار - أي أرض لينة رخوة - تسوخ فيها الأرجل ، ولا يمشى فيها إلا بتعب ومشقة . وكانت العير وراء ظهور العدو ، مع كثرة عددهم ، فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم ، وتشحذ في المقاتلة عنها نياتهم ، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحرب بظعنهم وأموالهم ، ليبعثهم الذب عن الحريم على بذل جهودهم في القتال . وفيه تصوير ما دبر - سبحانه - من أمر غزوة بدر * ( لِيَقْضِيَ اللَّه أَمْراً كانَ مَفْعُولًا ) * ومن إعزاز دينه ، وإعلاء كلمته ، حين وعد المسلمين إحدى الطائفتين مبهمة غير مبينة حتى خرجوا ليأخذوا العير راغبين في الخروج ، وأقلق قريشا ما بلغهم من تعرض المسلمين لأموالهم ، فنفروا ليمنعوا عيرهم ، وسبب الأسباب حتى أناخ هؤلاء بالعدوة الدنيا وهؤلاء بالعدوة القصوى ، ووراءهم العير يحامون عليها ، حتى قامت الحرب في ساق ، وكان ما كان » « 1 » . وقوله : * ( ولَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ ، ولكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّه أَمْراً كانَ مَفْعُولًا ) * بيان لتدبير اللَّه الحكيم ، وإرادته النافذة . أي : ولو تواعدتم وأهل مكة على موعد تلتقون فيه للقتال ، لتخلفتم عن الميعاد المضروب بينكم ، لأن كل فريق منكم كان سيتهيب الإقدام على صاحبه ، ولكن اللَّه - تعالى - بتدبيره الخفي شاء أن يجمعكم للقتال على غير ميعاد ، ليقضى - سبحانه - أمرا كان مفعولا ، أي : ثابتا في علمه وحكمته ، وهو : إعزاز الإسلام وأهله ، وخذلان الشرك وحزبه . روى ابن جرير من حديث كعب بن مالك - رضى اللَّه عنه - قال : إنما خرج رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش ، حتى جمع اللَّه بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد . وروى - أيضا - عن عمير بن إسحاق قال : أقبل أبو سفيان في الكرب من الشام ، وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وأصحابه فالتقوا ببدر ، ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء ، ولا هؤلاء بهؤلاء ، حتى التقى السقاة قال : ونظر الناس بعضهم إلى بعض » « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 223 . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 10 ص 11 .