تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
والمراد من الرؤية هنا البصرية ، ومن الآيات المعجزات الحسية كانشقاق القمر ونبع الماء من بين أصابعه الشريفة . وهذه الجملة الكريمة المقصود بها ذمهم لعدم انتفاعهم بحاسة البصر بعد ذمهم لعدم انتفاعهم بعقولهم وأسماعهم . وجئ بكلمة * ( كُلَّ ) * لعموم النفي ، أي : أنهم لا يؤمنون بأية معجزة يرونها مهما وضحت براهينها ، ومهما كانت دلالتها ظاهرة على صدق النبي صلى اللَّه عليه وسلم . ثم بين - سبحانه - ما كان يجرى منهم مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال : * ( حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ ) * . الأساطير جمع إسطارة أو أسطورة ومعناها الخرافات والترهات . أي : حتى إذا ما صاروا إليك أيها الرسول ليخاصموك وينازعوك في دعوتك فإنهم يقولون لك بسبب كفرهم وجحودهم ، ما هذا القرآن الذي نسمعه منك إلا أقاصيص الأولين المشتملة على خرافاتهم وأوهامهم . وفي قوله - تعالى - * ( حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ ) * إشارة إلى أن مجيئهم لم يكن من أجل الوصول إلى الحق ، وإنما كان من أجل المجادلة المتعنتة مع الرسول الكريم صلى اللَّه عليه وسلم . ثم بين - سبحانه - أنهم لا يكتفون بمحاربة الدعوة الإسلامية ، بل هم لفجورهم - يحرضون غيرهم على محاربتها معهم فقال - تعالى - : * ( وهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْه ويَنْأَوْنَ عَنْه ، وإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وما يَشْعُرُونَ ) * . النهى : الزجر ، والنأى : البعد ، والضمير « هم » يعود على المشركين . والمعنى : إن هؤلاء المشركين لا يكتفون بمحاربة الحق ، بل يزجرون الناس عن اتباعه ، ويبعدونهم عن الاستماع إليه . فهم قد جمعوا بين فعلين قبيحين : محاربتهم للحق وحمل غيرهم معهم على محاربته والبعد عنه . وهم بهذا العمل الباطل القبيح ما يهلكون إلا أنفسهم ولكنهم لا يشعرون بذلك لانطماس بصيرتهم ، وقسوة قلوبهم . وعملهم هذا يدل على أنهم كانوا معترفين في قرارة أنفسهم بأن القرآن حق ، لأنهم لو كانوا يعتقدون أنه أساطير الأولين - كما زعموا - لتركوا الناس يسمعونها ليتأكدوا من أنها خرافات وأوهام ، ولكنهم لما كانوا مؤمنين ببلاغة القرآن وصدقه ، فإنهم نهوا غيرهم عن سماعه حتى
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 59 | سيد محمد طنطاوي