تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
وحكمة إفراد المهتدى للإشارة إلى أن الحق واحد لا يتعدد ولا يتنوع ، وحكمة جمع الثاني وهو قوله * ( الْخاسِرُونَ ) * للإشارة إلى تعدد أنواع الضلال ، وتنوع وسائله وأساليبه . وقوله * ( ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ ) * كلام مستأنف مقرر لمضمون ما قبله ومفصل له . و « الذرء » الخلق . يقال : ذرأ اللَّه خلقه يذرؤهم ذرءا ، أي : خلقهم . واللام في * ( لِجَهَنَّمَ ) * للعاقبة والصيرورة . أي : ولقد خلقنا لدخول جهنم والتعذيب بها كثيرا من الجن والإنس وهم الكفار المعرضون عن الآيات وتدبرها ، الذين علم اللَّه منهم أزلا اختيارهم الكفر فشاءه منهم وخلقه فيهم وجعل مصيرهم النار لذلك . ثم بين - سبحانه - صفاتهم التي أدت بهم إلى هذا المصير السيئ فقال . * ( لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ) * أي : لا يفقهون بها الآيات الهادية إلى الكمالات مع أن دلائل الإيمان مبثوثة في ثنايا الكون تدركها القلوب المتفتحة ، والبصائر المستنيرة . وجملة * ( لَهُمْ قُلُوبٌ ) * في محل نصب صفة أخرى لقوله * ( كَثِيراً ) * وجملة * ( لا يَفْقَهُونَ بِها ) * في محل رفع صفة لقلوب . وقوله * ( ولَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ) * أي : لهم أعين لا يبصرون بها ما في هذا الكون من براهين تشهد بوحدانية اللَّه ، مع أنها معروضة للأبصار مكشوفة للأنظار ، فهم كما قال - تعالى - ، وكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ والأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ فهم لهم أعين ترى وتبصر ولكن بدون تأمل أو اعتبار ، فكأن وجودها وعدمه سواء . وقوله * ( ولَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ) * أي : لا يسمعون بها الآيات والمواعظ سماع تدبر واتعاظ ، أي أنهم لا ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها اللَّه سببا للهداية . قال صاحب الكشاف : « هم المطبوع على قلوبهم الذين علم اللَّه أنه لا لطف لهم : وجعلهم في أنهم لا يلقون أذهانهم إلى معرفة الحق ، ولا ينظرون بأعينهم إلى ما خلق اللَّه نظر اعتبار ، ولا يسمعون ما يتلى عليهم من آيات سماع تدبر كأنهم عدموا فهم القلوب ، وإبصار العيون واستماع الآذان ، وجعلهم - لإعراقهم في الكفر وشدة شكائمهم فيه ، وأنه لا يأتي منهم إلا أفعال أهل النار - مخلوقين للنار ، دلالة على توغلهم في الموبقات ، وتوغلهم فيما يؤهلهم لدخول النار » « 1 » .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 179 .