وبعضهم قال : نزلت في أبى عامر الراهب الذي سماه النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « الفاسق » كان يترهب في الجاهلية فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام ، وأمر المنافقين باتخاذ مسجد الضرار والشقاق .
وبعضهم قال : إنها في منافقي أهل الكتاب ، كانوا يعرفون صفة النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ومخرجه ، فلما بعثه اللَّه - تعالى - كفروا به .
وبعضهم قال : إنها نزلت لتحكى قصة رجل من علماء اليهود اسمه بلعم ابن باعوراء أوتى علم بعض كتب اللَّه ثم انسلخ منها بأن كفر بها ونبذها بعد أن رشاه اليهود .
والذي نراه أن الرأي الأول الذي عليه المحققون من المفسرين هو الراجح ، وأن هؤلاء الذين ذكروا يندرجون تحته ، لأنه لم يرد نص صحيح يعين اسم الذي وردت الآيات في حقه ، فوجب أن نحملها على أنها وارد في شأن كل من علم الحق فأعرض عنه واتبع هواه .
ثم يعقب القرآن على هذا المثل ببيان أن الهداية والضلال من اللَّه وأن هناك أقواما من الجن والإنس قد خلقوا لجهنم بسبب إيثارهم طريق الشر على طريق الخير قال - تعالى - :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 178 إلى 179 ]
مَنْ يَهْدِ اللَّه فَهُوَ الْمُهْتَدِي ومَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 178 ) ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ والإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ( 179 )
قوله * ( مَنْ يَهْدِ اللَّه فَهُوَ الْمُهْتَدِي ) * أي : من يوفقه اللَّه - تعالى - إلى سلوك طريق الهدى باستعمال عقله وحواسه بمقتضى سنة الفطرة فهو المهتدى حقا ، الواصل إلى رضوان اللَّه صدقا .
* ( ومَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ) * أي : ومن يخذله - سبحانه - بالحرمان من هذا التوفيق بسبب إيثاره السير في طريق الهوى والشيطان على طريق الهدى والإيمان ، فأولئك هم الخاسرون لدنياهم وآخرتهم .
وأفرد - سبحانه - المهتدى في الجملة الأولى مراعاة للفظ * ( مَنْ ) * ، وجمع الخاسرين في الثانية مراعاة لمعناها فإنها من صيغ العموم .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 439
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٤٣٩