تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 410

مساهمون:

ص٤١٠
قوما - عصاة - اللَّه مهلكهم ، أو معذبهم على غلبة الظن . وما عهد حينئذ من فعل اللَّه تعالى بالأمم العاصية ؟ ) « 1 » . وقوله * ( مَعْذِرَةً ) * بالنصب على أنها مفعول لأجله أي : وعظناهم لأجل المعذرة ، أو منصوبة على أنها مصدر لفعل مقدر من لفظها أي : نعتذر معذرة وقرئت « معذرة » بالرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف أي : موعظتنا معذرة وقد اختار سيبويه هذا الوجه وقال في تعليله : لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا اعتذارا مستأنفا ولكنهم قيل لهم لم تعظون ؟ فقالوا موعظتنا معذرة . ثم بين - سبحانه - عاقبة كل من الفرقة الناهية والعاصية فقال تعالى * ( فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِه أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ) * أي : فلما لج الظالمون في طغيانهم ، وعموا وصموا عن النصيحة أنجينا الناصحين ، وأخذنا العادين بعذاب شديد لا رحمة فيه بسبب خروجهم على أوامر اللَّه . والآية الكريمة صريحة في بيان أن الذين أخذوا بالعذاب البئيس هم الظالمون المعتدون وأن الذين نجوا هم الناهون عن السوء ، أما الفرقة الثالثة التي لامت الناهين عن السوء على وعظهم للمعتدين ، فقد سكتت عنها . ويرى بعض المفسرين : أنها لم تنج ، لأنها لم تنه عن المنكر . فضلا عن أنها لامت الناصحين لغيرهم . ويرى جمهور المفسرين : أنها نجت ، لأنها كانت كارهة لما فعله العادون في السبت ولم ترتكب شيئا مما ارتكبوه ، وإذا كانت قد سكتت عن النصيحة ، فلأنها كانت يائسة من صلاح المعتدين ، ومقتنعة بأن القوم قد أصبحوا محل سخط اللَّه وعذابه ، فلا جدوى وراء وعظهم ، وإلى هذا الرأي ذهب صاحب الكشاف وغيره . قال صاحب الكشاف : ( فإن قلت : الأمة الذين قالوا لم تعظون قوما اللَّه مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا - من أي الفريقين هم ؟ أمن فريق الناجين أم من فريق المعذبين . قلت من فريق الناجين ، لأنهم من فريق الناهين ، غرضا صحيحا لعلمهم بحال القوم . وإذا علم الناهي حال المنهي ، وأن النهى لا يؤثر فيه ، سقط عنه النهى ، وربما وجب الترك لدخوله في باب العبث ، ألا ترى أنك لو ذهبت إلى المكاسين القاعدين على المآصر والجلادين المرتبين للتعذيب ، لتعظهم وتكفهم عما هم فيه ، كان ذلك عبثا منك ، ولم يكن إلا سببا للتلهى بك ، أما الآخرون فإنهم لم يعرضوا عنهم ، إما لأن يأسهم لم يستحكم كما استحكم يأس الأولين ، ولم يخبروهم كما
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 7 ص 307 .