تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
وقوله تعالى * ( إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً ، ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ ) * بيان لموضع الاختبار والامتحان . و * ( إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ ) * ظرف ليعدون . وحيتان جمع حوت وهو السمك الكبير . وشرعا : أي : شارعة ظاهرة على وجه الماء . جمع شارع ، من شرع عليه إذا دنا وأشرف وكل شيء دنا من شيء فهو شارع ، وقوله : شرعا حال من الحيتان . والمعنى : إذ تأتيهم حيتانهم في وقت تعظيمهم ليوم السبت ظاهرة على وجه الماء دانية من القرية بحيث يمكنهم صيدها بسهولة ، فإذا مر يوم السبت وانتهى لا تأتيهم كما كانت تأتيهم فيه ، ابتلاء من اللَّه - تعالى - لهم . قال ابن عباس : ( اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به ، وهو يوم الجمعة ، فتركوه واختاروا السبت فابتلاهم اللَّه - تعالى - به ، وحرم عليهم الصيد فيه ، وأمرهم بتعظيمه ، فإذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر ، فإذا انقضى السبت ذهبت وما تعود إلا في السبت المقبل ، وذلك بلاء ابتلاهم اللَّه به ، فذلك معنى قوله تعالى * ( ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ ) * « 1 » . وقال الإمام القرطبي : ( وروى في قصص هذه الآية أنها كانت في زمن داود - عليه السلام - وأن إبليس أوحى إليهم فقال إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت ، فاتخذوا الحياض ، فكانوا يسوقون الحيتان إليها يوم السبت فتبقى فيها ، فلا يمكنها الخروج منها لقلة الماء . فيأخذونها يوم الأحد ) « 2 » . وقوله تعالى * ( كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ) * معناه : بمثل هذا الابتلاء ، وهو ظهور السمك لهم في يوم السبت ، واختفائه في غيره نبتليهم ونعاملهم معاملة من يختبرهم ، لينالوا ما يستحقونه من عقوبة بسبب فسقهم وتعديهم حدود ربهم ، وتحايلهم القبيح على شريعتهم ، فقد جرت سنة اللَّه بأن من أطاعه سهل له أمور دنياه ، وأجل له ثواب أخراه ، ومن عصاه أخذه أخذ عزيز مقتدر . ثم بين - سبحانه - طوائف هذه القرية وحال كل طائفة فقال تعالى * ( وإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّه مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً ، قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) * . والذي يفهم من الآية الكريمة ، - وعليه جمهور المفسرين - أن أهل القرية كانوا ثلاث فرق .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 316 طبعة الأميرية الأزهرية سنة 1308 ه . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 7 ص 306 .