تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
القوم جميعا في الاختيار ، وكأن بني إسرائيل على كثرتهم لا يوجد من بينهم فضلاء سوى هؤلاء السبعين . وتختلف روايات المفسرين في سبب هذا الميقات وزمانه ، فمنهم من يرى أنه الميقات الكلامي الذي كلم اللَّه فيه موسى تكليما فقد كان معه سبعون رجلا من شيوخ بني إسرائيل ينتظرونه في مكان وضعهم فيه غير مكان المناجاة ، فلما تمت مناجاة موسى لربه طلبوا منه أن يخاطبوا اللَّه - تعالى - وأن يكلموه كما كلمه موسى ، وأن يروه جهرة فأخذتهم الصاعقة ، وكان ذلك قبل أن يخبر اللَّه - تعالى - موسى أن قومه قد عبدوا العجل في غيبته . والذي نرجحه وعليه المحققون من المفسرين والسياق القرآني يؤيده أن هذا الميقات الذي جاء في هذه الآية غير الميقات الأول ، وأنه كان بعد عبادة بني إسرائيل للعجل في غيبة موسى ، فقد عرفنا أن اللَّه قد أخبره بذلك عند ذهابه إليه لتلقى التوراة ، فرجع موسى إليهم مسرعا ووبخهم على صنيعهم وأحرق العجل ، وأمره اللَّه - تعالى - بعد ذلك أن يأتيه مع جماعة من بني إسرائيل ليتوبوا إليه من عبادة العجل فاختار موسى هؤلاء السبعين ، وهناك روايات ترجح ذلك منها ما جاء عن محمد بن إسحاق قال : إن موسى - عليه السلام - لما رجع إلى قومه فرأى ما هم فيه من عيادة العجل ، وقال لأخيه والسامري ما قال وحرق العجل وذراه في اليم ، اختار من بني إسرائيل سبعين رجلا الخير فالخير ، وقال : انطلقوا إلى اللَّه فتوبوا إليه مما صنعتم واسألوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم ، فصوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم . فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه ، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم ، فقال له السبعون - فيما ذكر لي - حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا معه للقاء ربه يا موسى : اطلب لنا نسمع كلام ربنا . فقال : أفعل . فلما دنا موسى من الجيل ، وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله ، ودنا موسى فدخل فيه ، وقال للقوم : ادنوا . وكان موسى إذا كلمه اللَّه وقع على جبهة موسى نور ساطع ، لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه . ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا فسمعوه وهو يكلم موسى ، يأمره وينهاه ، افعل ولا تفعل ، فلما انكشف عن موسى الغمام أقبل إليهم فقالوا له : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّه جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وهي الصاعقة التي يحصل منها الاضطراب الشديد فماتوا جميعا فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول : * ( رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وإِيَّايَ ) * قد سفهوا ، أتهلك من ورائي من بني إسرائيل « « 1 » . وهكذا نرى أن هؤلاء السبعين المختارين من بني إسرائيل قد طلبوا من نبيهم موسى -
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 249 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 387 | سيد محمد طنطاوي