تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 381

مساهمون:

ص٣٨١
ندمهم على عبادة العجل ، وتبينوا ضلالهم واضحا كأنهم أبصروه بعيونهم قالوا متحسرين * ( لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) * أي لنكونن من الهالكين الذين حبطت أعمالهم . وكان هذا الندم بعد رجوع موسى إليهم من الميقات وقد أعطاه اللَّه التوراة ، بدليل أنه لما نصحهم هارون بترك عبادة العجل قالوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْه عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى وبدليل أن موسى - عليه السلام - لما رجع أنكر عليهم ما هم عليه وهذا دليل على أنهم كانوا مستمرين على عبادته إلى أن رجع موسى إليهم وبصرهم بما هم عليه من ضلال مبين . ولذلك قال ابن جرير عند تفسيره لقوله تعالى * ( ولَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ ) * ( ولما ندم الذين عبدوا العجل الذي وصف - جل ثناؤه - صفته ، عند رجوع موسى إليهم ، واستسلموا لموسى وحكمه فيهم ، وكذلك تقول العرب لكل نادم على أمر فات منه أو سلف ، وعاجز عن شيء : قد سقط في يديه وأسقط ، لغتان فصيحتان ، وأصله من الاستئسار ، وذلك بأن يضرب الرجل الرجل أو يصرعه ، فيرمى به من بين يديه إلى الأرض ليأسره ، فالمرمى به مسقوط في يدي الساقط به ، فقيل لكل عاجز عن شيء ومتندم على ما فاته : سقط في يديه وأسقط ) « 1 » وعبر - سبحانه - عن شدة ندمهم بقوله تعالى : * ( ولَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ ) * لأن من شأن من اشتد ندمه وحسرته أن يعض يده غما فتصير يده مسقوطا فيها ، لأن فاه قد وقع فيها . وكأن أصل الكلام ولما سقطت أفواههم في أيديهم ، أي ندموا أشد الندم . قال صاحب تاج العروس : وفي ( العباب ) هذا نظم لم يسمع به قبل القرآن ولا عرفته العرب ( والأصل فيه نزول الشيء من أعلى إلى أسفل ) ، ووقوعه على الأرض ، ثم اتسع فيه فقيل للخطأ من الكلام ( سقط ) لأنهم شبهوه بما لا يحتاج إليه ، وذكر اليد لأن الندم يحدث في القلب . وأثره يظهر في اليد ، كقوله تعالى : فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْه عَلى ما أَنْفَقَ فِيها ولأن اليد هي الجارحة العظمى ، فربما يسند إليها ما لم تباشره كقوله تعالى : ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ « 2 » . اه . وقوله تعالى : * ( ولَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِه غَضْبانَ أَسِفاً ) * بيان للحالة التي كان عليها موسى - عليه السلام - عند رجوعه من الطور ، ومشاهدته للعجل الذي عبده قومه ، فهو كان غاضبا عليهم لعبادتهم غير اللَّه - تعالى - وحزينا لفتنتهم بعبادتهم عجلا جسدا له خوار . قال الإمام الرازي : في الأسف قولان :
هامش
( 1 ) تفسير ابن جرير ج 9 ص 62 . ( 2 ) تفسير القاسمي ج 7 ص 2859 .