وقوله * ( عِجْلًا ) * مفعول اتخذ بمعنى صاغ وعمل . وقيل إن اتخذ متعد إلى اثنين وهو بمعنى صير والمفعول الثاني محذوف أي : إلها .
و * ( جَسَداً ) * بدل من * ( عِجْلًا ) * أو عطف بيان أو نعت له بتأويل متجسدا .
قال صاحب الكشاف : ( فإن قلت لم قيل : * ( واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِه مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا ) * والمتخذ هو السامري ؟ قلت فيه وجهان :
أحدهما : أن ينسب الفعل إليهم لأن رجلا منهم باشره ووجد بين ظهرانيهم ، كما يقال بنو تميم قالوا كذا ، وفعلوا كذا والقائل والفاعل واحد . ولأنهم كانوا مريدين لاتخاذه راضين به فكأنهم أجمعوا عليه .
والثاني : أن يراد واتخذوه إلها وعبدوه . فإن قلت لم قال من حليهم ولم تكن الحلي لهم إنما كانت عارية في أيديهم ؟ قلت : الإضافة تكون بأدنى ملابسه وكونها عوارى في أيديهم كفى به ملابسة على أنهم قد ملكوها بعد المهلكين كما ملكوا غيرها من أملاكهم ألا ترى إلى قوله تعالى :
فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وعُيُونٍ . وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ . كَذلِكَ وأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ « 1 » اه .
وقوله تعالى : * ( أَلَمْ يَرَوْا أَنَّه لا يُكَلِّمُهُمْ ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ) * تقريع لهم على جهالاتهم . وبيان لفقدان عقولهم ، والمعنى : أبلغ عمى البصيرة بهؤلاء القوم ، أنهم لم يفطنوا حين عبدوا العجل ، أنه لا يقدر على ما يقدر عليه آحاد البشر ، من الكلام والإرشاد إلى أي طريق من طرق الإفادة ، وليس ذلك من صفات ربهم الذي له العبادة ، لأن من صفاته - تعالى - أنه يكلم أنبياءه ورسله ، ويرشد خلقه إلى طريق الخير ، وينهاهم عن طرق الشر ! ! ثم أكد - سبحانه - ذمهم بقوله * ( اتَّخَذُوه وكانُوا ظالِمِينَ ) * أي : اتخذوا العجل معبودا لهم وهم يشاهدونه لا يكلمهم بأي كلام ، ولا يرشدهم إلى أي طريق ، ولا شك أنهم بهذا الاتخاذ كانوا ظالمين لأنفسهم بعبادتهم غير اللَّه ، وبوضعهم الأمور في غير مواضعها .
وفي التعبير عن ظلمهم بلفظ ( كانوا ) المفيد للدوام والاستمرار ، إشعار بأن هذا الظلم دأبهم وعادتهم قبل هذا الاتخاذ وأن ما صدر عنهم ليس بدعا منهم ولا أول مناكيرهم ، فقد سبق لهم أن قالوا لنبيهم بمجرد أن أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ ، قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ .
ثم بين - سبحانه - ما كان منهم بعد أن رأوا ضلالهم فقال تعالى : * ( ولَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ ورَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا ، قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) * أي وحين اشتد
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 159 .