تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
ولقد حكى القرآن جوابهم القبيح على نصائح نبيهم لهم ، فقال : * ( وما كانَ جَوابَ قَوْمِه إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ) * . أي : وما كان جواب الطغاة المستكبرين على نصائح نبيهم لوط - عليه السلام - إلا أن قال بعضهم لبعض أخرجوا لوطا ومن معه من المؤمنين من قريتكم سدوم التي استوطنتموها وعشتم بها . وقوله : * ( إِلَّا أَنْ قالُوا ) * استثناء مفرغ من أعم الأشياء ، أي : ما كان جوابهم شيئا من الأشياء سوى قول بعضهم لبعض أخرجوهم . لما ذا هذا الإخراج ؟ بين القرآن أسبابه كما تفوهت به ألسنتهم الخبيثة ، واتفقت عليه قلوبهم المنكوسة فقال : * ( إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) * بهذه الجملة التعليلية . أي : إن لوطا وأتباعه أناس يتنزهون عن إتيان الرجال ، وعن كل عمل من أعمالنا لا يرونه مناسبا لهم . يقال : تطهر الرجل ، أي : تنزه عن الآثام والقبائح . وما أعجب العقول عندما تنتكس ، والأخلاق عندما ترتكس ، إنها تستنكف أن يبقى معها الطهور المتعفف عن الفحش ، وتعمل على إخراجه ، ليبقى لها الملوثون الممسوخون . وإنه لمنطق يتفق مع المنحرفين الذين انحطت طباعهم ، وانقلبت موازينهم ، وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم فرأوه حسنا . ورحم اللَّه صاحب الكشاف فقد قال : وقولهم : * ( إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) * سخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش ، وافتخار بما كانوا فيه من القذارة ، كما يقول الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم : أبعدوا عنا هذا المتقشف وأريحونا من هذا المتزهد « « 1 » . ثم حكت السورة عاقبة الفريقين فقالت : * ( فَأَنْجَيْناه وأَهْلَه ) * أي : أنجينا لوطا ومن يختص به من ذويه أو من المؤمنين به . قالوا : ولم يؤمن به أحد منهم سوى أهل بيته فقط ، كما قال - تعالى - : فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وقوله : * ( إِلَّا امْرَأَتَه ) * استثناء من أهله ، أي : فأنجيناه وأهله إلا امرأته فإنا لم ننجها لخبثها وعدم إيمانها . قال ابن كثير : إنها لم تؤمن به ، بل كانت على دين قومها ، تمالئهم عليه وتخبرهم بمن يقدم عليه من ضيفانه بإشارات بينها وبينهم ، ولهذا لما أمر لوط - عليه السلام - ليسرى بأهله أمر أن
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 127 .