تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
أي : أتجادلوني وتخاصمونى في شأن أشياء ما هي إلا أسماء ليس تحتها مسميات ، لأنكم تسمونها آلهة مع أن معنى الإلهية فيها معدوم ومحال وجوده إذ المستحق للعبادة إنما هو اللَّه الذي خلق كل شيء ، أما هذه الأصنام التي زعمتم أنها آلهة فهي لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا . فأنت ترى أن هودا - عليه السلام - قد حول آلهتهم إلى مجرد أسماء لا تبلغ أن تكون شيئا وراء الاسم الذي يطلق عليها ، وهذا أعمق في الإنكار عليهم ، والاستهزاء بعقولهم . وقوله : * ( ما نَزَّلَ اللَّه بِها مِنْ سُلْطانٍ ) * أي : ما نزل اللَّه بها من حجة أو دليل يؤيد زعمكم في ألوهيتها أو في كونها شفعاء لكم عند اللَّه ، وإنما هي أصنام باطلة قلدتم آباءكم في عبادتها بدون علم أو تفكير . ثم هدد بالعاقبة المقررة المحتومة فقال : * ( فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ) * أي : فانتظروا نزول العذاب الذي استعجلتموه وطلبتموه حين قلتم * ( فَأْتِنا بِما تَعِدُنا ) * فإني معكم من المنتظرين لما سيحل بكم بسبب شرككم وتكذيبكم . ولم يطل انتظار هود عليهم ، فقد حل بهم العقاب الذي توعدهم به سريعا ولذا قال - تعالى - : * ( فَأَنْجَيْناه والَّذِينَ مَعَه بِرَحْمَةٍ مِنَّا ) * الفاء فصيحة . أي : فوقع ما وقع فأنجينا هودا والذين اتبعوه في عقيدته برحمة عظيمة منا لا يقدر عليها غيرنا . * ( وقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ) * أي : استأصلناهم عن آخرهم بالريح العقيم التي ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْه إِلَّا جَعَلَتْه كَالرَّمِيمِ . فقطع الدابر كناية عن الاستئصال والإهلاك للجميع يقال قطع اللَّه دابره أي : أذهب أصله . وقوله : * ( وما كانُوا مُؤْمِنِينَ ) * عطف على * ( كَذَّبُوا ) * داخل معه حكم الصلة أي : أصروا على الكفر والتكذيب ولم يرجعوا عن ذلك أصلا . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما فائدة نفى الإيمان عنهم في قوله : * ( وما كانُوا مُؤْمِنِينَ ) * مع إثبات التكذيب بآيات اللَّه ؟ قلت : هو تعريض بمن آمن منهم - كمرثد بن سعد - ومن نجا مع هود - عليه السلام - كأنه قال : وقطعنا دابر الذين كذبوا منهم ، ولم يكونوا مثل من آمن منهم ليؤذن أن الهلاك للمكذبين ونجى اللَّه المؤمنين « « 1 » . وهكذا طويت صفحة أخرى من صحائف المكذبين ، وتحقق النذير في قوم هود كما تحقق قبل ذلك في قوم نوح .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 119 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 307 | سيد محمد طنطاوي