ثم ذكرهم بنعمة ثانية فقال : * ( وزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً ) * أي : زادكم في المخلوقات بسطة وسعة في الملك والحضارة ، أو زادكم بسطة في قوة أبدانكم وضخامة أجسامكم ، ومن حق هذا الاستخلاف وتلك القوة ، أن تقابلا بالشكر للَّه رب العالمين .
وقد ذكر بعض المفسرين روايات تتعلق بضخامة أجسام قوم هود وقوتهم وهي روايات ضعيفة لا يعتد بها ، ولذا أضربنا عنها ، ويكفينا أن القرآن الكريم قد أشار إلى قوتهم وجبروتهم بدون تفصيل لذلك كما في قوله - تعالى - : وإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ وكما في قوله :
كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ .
ثم كرر هود - عليه السلام - تذكيرهم بنعم اللَّه فقال : * ( فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) * . أي : فاذكروا نعم اللَّه واشكروها له لعلكم تفوزون بما أعده للشاكرين من إدامتها عليهم وزيادتها لهم ، ولن تكونوا كذلك إلا بعبادتكم له وحده - عز وجل - .
وآلاء اللَّه : نعمه الكثيرة . والآلاء جمع إلى كحمل وأحمال . أو إلى ، كقفل وأقفال . أو إلى ، كمعى وأمعاء .
وإلى هنا يكون هود - عليه السلام - قد رد على قومه ردا مقنعا حكيما ، كان المتوقع من ورائه أن يستجيبوا له ، وأن يقبلوا على دعوته ، ولكنهم لسوء تفكيرهم وانطماس بصيرتهم ، أخذتهم العزة بالإثم فماذا قالوا لنبيهم ومرشدهم ؟ .
* ( قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّه وَحْدَه ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) * .
أي : قالوا له على سبيل الإنكار والاستهزاء : أجئتنا يا هود لأجل أن نعبد اللَّه وحده ، ونترك ما كان يعبد آباؤنا من الأوثان والأصنام إن هذا لن يكون منا أبدا فأتنا بما تعدنا به من العذاب ان كنت من الصادقين فيما تخبر به .
وننظر في هذا الرد من قوم هود فنراه طافحا بالتهور والتحدي والاستهزاء واستعجال العذاب .
حتى لكأن هودا - عليه السلام - يدعوهم إلى منكر لا يطيقون سماعه ولا يصبرون على الجدل فيه ! ! .
أليس هو يدعوهم إلى وحدانية اللَّه وإفراده بالعبادة وترك ما كان يعبد آباؤهم ، وهذا في زعمهم أمر منكر لا يطيقون الصبر عليه .
وهكذا يستحوذ الشيطان على قلوب بعض الناس وتفكيرهم فيصور لهم الحسنات في صورة سيئات ، والسيئات في صورة حسنات .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 305
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٣٠٥