تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
هودا أنكر على قومه عبادتهم لغير اللَّه ، وحضهم على إفراده بالعبادة فقال : * ( أَفَلا تَتَّقُونَ ) * أي : أفلا تخافون عذاب اللَّه فتبتعدوا عن طريق الشرك والضلال لتنجوا من عقابه . قال أبو حيان : وفي قوله : * ( أَفَلا تَتَّقُونَ ) * استعطاف وتحضيض على تحصيل التقوى . ولما كان ما حل بقوم نوح من أمر الطوفان واقعة لم يظهر في العالم مثلها قال لهم : إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وواقعة هود كانت مسبوقة بواقعة نوح وعهد الناس قريب بها فاكتفى هود بقوله لهم : * ( أَفَلا تَتَّقُونَ ) * . والمعنى تعرفون أن قوم نوح لما لم يتقوا اللَّه وعبدوا غيره حل بهم ذلك العذاب الذي اشتهر خبره في الدنيا ، فقوله : * ( أَفَلا تَتَّقُونَ ) * إشارة إلى التخويف بتلك الواقعة المشهورة « 1 » » . وكأنما عظم على هؤلاء الطغاة أن يستنكر عليهم هود - عليه السلام - عبادتهم لغير اللَّه ، فردوا عليه ردا قبيحا حكاه القرآن في قوله : * ( قالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِه ، إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ ) * أي : قال الأغنياء الذين كفروا من قوم هود له : إنه لنراك متمكنا في خفة العقل ، راسخا فيها ، حيث هجرت دين قومك إلى دين آخر . وجعلت السفاهة ظرفا على طريق المجاز ، فقد أرادوا أنه متمكن فيها ، غير منفك عنها . وأصل السفه : الخفة والرقة والتحرك والاضطراب ، يقال : ثوب سفيه إذا كان رديء النسج خفيفه ، أو كان باليا رقيقا : تسفهت الريح الشجر : مالت به . وزمام سفيه : كثير الاضطراب لمنازعة الناقة إياه . وشاع السفه في خفة العقل وضعف الرأي . ولم يكتفوا بوصفه بالسفه بل أضافوا إلى ذلك قولهم : * ( وإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ ) * أي : وإنا لنظنك من الكاذبين في دعوى التبليغ عن اللَّه تعالى . وأكدوا ظنهم الآثم كما أكدوا اتهامهم له بالسفه مبالغة منهم في الإساءة إليه . ويرجح بعض العلماء أن الظن هنا على حقيقته ، لأنهم لو قالوا وإنا لنعتقد أنك من الكاذبين ، لكانوا كاذبين على أنفسهم في ذلك ، لأنهم يعلمون منه الصدق وحسن السيرة . ومن بلاغة القرآن وإنصافه في أحكامه أنه قيد القائلين لهود هذا القول الباطل بأنهم « الملأ الذين كفروا من قومه » ليخرج منهم الملأ - أي الأشراف الذين آمنوا من قومه . وبعد هذا الرد القبيح منهم ، أخذ هود يدافع عن نفسه ويبين لهم وظيفته بأسلوب حكيم فقال : * ( يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ) * أي : ليس بي أي نوع من أنواع السفاهة كما تزعمون * ( ولكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ . أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ ) * .
هامش
( 1 ) تفسير البحر المحيط ج 4 ص 123 لأبى حيان .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 303 | سيد محمد طنطاوي