فإذا ما انتهينا إلى الربع العاشر - والأخير - من سورة الأنعام رأيناها تخاطب أولئك الذين أحلوا لأنفسهم ما حرمه اللَّه وحرموا عليها ما لم يأذن به فتقول لهم ولغيرهم « تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم » ثم تسوق عشر وصايا رسمت للإنسان طريق علاقته بربه ، ووضعت الأساس المكين الذي يبنى عليه صرح الأسرة الفاضلة التي منها تتكون الأمة القوية الناجحة في الحياة ، وأوصدت منافذ الشرور والآثام التي تصيب المسلم في نفسه أو ماله أو عرضه ثم ذكرت أهم المبادئ التي تسمو بالمحافظة عليها الحياة الاجتماعية الكريمة ، وختمت هذه الوصايا ببيان أنها هي الصراط المستقيم الذي يجب على كل إنسان أن يتبع هداه حتى لا يزل أو يضل .
استمع إلى القرآن وهو يسوق هذه الوصايا الحكيمة فيقول :
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِه شَيْئاً وبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ، ولا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وإِيَّاهُمْ ، ولا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وما بَطَنَ ، ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إِلَّا بِالْحَقِّ ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِه لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ولا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّه ، وأَوْفُوا الْكَيْلَ والْمِيزانَ بِالْقِسْطِ ، لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ، وإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ، وبِعَهْدِ اللَّه أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِه لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوه ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِه ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِه لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ .
وبعد أن ساقت السورة الكريمة هذه الوصايا الحكيمة اتجهت في ختامها إلى دعوة الناس للعمل بكتاب اللَّه الذي أنزله ليكون هداية ورحمة لهم ، وأنذرت الذين يعرضون عن هديه الحكيم بسوء العذاب ، وحثت كل عاقل على المبادرة إلى الإيمان باللَّه من قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الإيمان ، ولا تنفع فيه الأعمال ، لأنه يوم جزاء وحساب ، وأمرت في ختامها كل مسلم بأن يخلص عمله للَّه ، وأن يحمده على هدايته إياه إلى طريق الحق والرشاد ، وبينت منزلة الإنسان في هذا الوجود وحضته على أن يكون بقوله وعمله أهلا لهذه المنزلة السامية حتى ينال رضا اللَّه .
وقد ساقت السورة في ختامها كل هذه المعاني بأسلوب ساحر يخلب الألباب ، ويرقق
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 22
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٢٢