فقوله : * ( أَنْ تَقُولُوا ) * مفعول لأجله والعامل فيه أنزلناه مقدرا مدلولا عليه بنفس أنزلناه الملفوظ به في الآية السابقة أي : أنزلناه كراهية أن تقولوا .
وقيل إنه مفعول به والعامل فيه قوله في الآية السابقة - أيضا - * ( واتَّقُوا . . . ) * أي . واتقوا قولكم كيت وكيت . وقوله * ( لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) * معترض جار مجرى التعليل .
والمراد بالكتاب جنسه المنحصر في التوراة والإنجيل والزبور .
وتخصيص الإنزال بكتابيهما لأنهما اللذان اشتهرا من بين الكتب السماوية بالاشتمال على الأحكام .
والخطاب لكل من أرسل إليهم الرسول صلى اللَّه عليه وسلم .
ثم ساق - سبحانه - آية أخرى لقطع أعذارهم فقال * ( أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ ) * .
أي : وأنزلنا الكتاب - أيضا - خشية أن تقولوا معتذرين يوم القيامة لو أنا أنزل علينا الكتاب كما أنزل على الذين من قبلنا ، لكنا أهدى منهم إلى الحق وأسرع منهم استجابة للَّه ولرسوله لمزيد ذكائنا ، وتوقد أذهاننا ، وتفتح قلوبنا .
وقوله : * ( فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وهُدىً ورَحْمَةٌ ) * جواب قاطع لأعذارهم وتعلاتهم أي :
فقد جاءكم من ربكم عن طريق نبيكم محمد صلى اللَّه عليه وسلم هذا الكتاب الواضح المبين ، والذي هو هداية لكم إلى طريق الحق ، ورحمة لمن يعمل بما اشتمل عليه من توجيهات وإرشادات .
وقوله : * ( فَقَدْ جاءَكُمْ ) * متعلق بمحذوف تنبئ عنه الفاء الفصيحة إما معلل به أي :
لا تعتذروا فقد جاءكم . . . وإما شرط له أي : إن صدقتم فيما كنتم تعدون به . فقد حصل ما فرضتم وجاءكم بينة من ربكم .
والاستفهام في قوله * ( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّه وصَدَفَ عَنْها ) * للإنكار والنفي . أي :
لا أحد أظلم ممن كذب بآيات اللَّه وأعرض عنها بعد أن جاءته ببيناتها الكاملة ، وهداياتها الشاملة .
والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها . فإن مجيء القرآن المشتمل على الهدى والرحمة موجب لغاية أظلمية من يكذبه أي : وإذا كان الأمر كذلك فمن أظلم . . ؟ ومعنى : وصدف عنها أي :
أعرض عنها غير متفكر فيها ، أو صرف الناس عنها وصدهم عن سبيلها . فجمع بين الضلال والإضلال .
ثم ختم - سبحانه - الآية بتهديد أولئك المعرضين عن آياته بقوله :
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 225
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٢٢٥