تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
عن القرب من الشيء ، فلأن ينهى عن فعله من باب أولى . ثم جاءت الآية في ختامها بالوصية الخامسة فقالت : * ( ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إِلَّا بِالْحَقِّ ) * . أي : لا تقتلوا النفس التي حرم اللَّه قتلها بأن عصمها بالإسلام إلا بالحق الذي يبيح قتلها شرعا كردة أو قصاص أو زنا يوجب الرجم . قال ابن كثير : وهذا مما نص - تبارك وتعالى - على النهى عنه تأكيدا ، وإلا فهو داخل في النهى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن . فقد جاء في الصحيحين عن ابن مسعود قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنى رسول اللَّه إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة » « 1 » . وقوله * ( إِلَّا بِالْحَقِّ ) * في محل نصب على الحال من فاعل * ( تَقْتُلُوا ) * أي : لا تقتلوها ملتبسين بالحق ، ويجوز أن يكون وصفا لمصدر محذوف أي : قتلا ملتبسا بالحق ، وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال ، أي : لا تقتلوها في حال من الأحوال إلا حال ملابستكم بالحق . وذلك لأن الإسلام ينظر إلى وجود الإنسان على أنه بناه اللَّه فلا يحق لأحد أن يهدمه إلا بالحق ، وبذلك يقرر عصمة الدم الإنسانى ، ويعتبر من يعتدى على نفس واحدة فكأنما قد اعتدى على الناس جميعا : أَنَّه مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ، ومَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً . ثم ختمت الآية بقوله - تعالى - * ( ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِه لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) * . أي : ذلكم الذي ذكرناه لكم من وصايا جليلة ، وتكاليف حكيمة ، وصاكم اللَّه به ، وطلبه منكم . لعلكم تستعملون عقولكم التي تعقل نفوسكم وتحبسها عن مباشرة القبائح . فاسم الإشارة ذلِكُمْ مشار به إلى الوصايا الخمس السابقة ، وهو مبتدأ وجملة وصاكم به خبر . ولفظ وصاكم من اللطف والرأفة وجعلهم أوصياء له - تعالى - ما يحمل النفوس على الطاعة والاستجابة . هذه هي الوصايا الخمس التي تضمنتها الآية الأولى من هذه الآيات الثلاث وكلها تشترك في معنى واحد هو أنها حقائق أو حقوق ثابتة في نفسها ، ولم يكن ثبوتها إلا تجاوبا مع الفطرة ، فاللَّه واحد سواء آمن الناس بهذه الحقيقة عقيديا وعمليا أم لم يؤمنوا ، وشكر النعمة يقتضى الإحسان
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 190 .