تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
- قال بعض العلماء : وقد جاءت هذه الوصية بأسلوب الأمر بالواجب المطلوب وهو الإحسان إلى الوالدين ، ولم تذكر بأسلوب النهى عن المحرم وهو الإساءة ، سموا بالإنسان عن أن تظن به الإساءة إلى الوالدين ، وكأن الإساءة إليهما ، ليس من شأنها أن تقع منه حتى يحتاج إلى النهى عنها ، ولأن الخير المنتظر من هذه الوصية وهو تربية الأبناء على الاعتراف بالنعم وشكر المنعمين عليها إنما يتحقق بفعل الواجب ، وهو الإحسان لا بمجرد ترك المحرم وهو الإساءة . لهذا وذاك قال - سبحانه - * ( وبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) * . - والإحسان يتعدى بحرفى الباء وإلى ، فقال : أحسن به ، وأحسن إليه ، وبينهما فرق واضح ، فالباء تدل على الإلصاق ، وإلى تدل على الغاية ، والإلصاق يفيد اتصال الفعل بمدخول « الباء » دون انفصال ولا مسافة بينهما ، أما الغاية فتفيد وصول الفعل إلى مدخول إلى ولو كان منه على بعد أو كان بينهما واسطة ، ولا شك أن الإلصاق في هذا المقام أبلغ في تأكيد شأن العناية والإحسان بالوالدين ، ومن هنا لم يعد الإحسان بالباء في القرآن إلا حيث أريد ذلك التأكيد ، وقد جاءت جميع الآيات القرآنية التي توحى بالإحسان بالوالدين على هذا الأسلوب « « 1 » . ثم جاءت الوصية الثالثة وهي قوله - تعالى - * ( ولا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وإِيَّاهُمْ ) * . الإملاق : الفقر ، مصدر أملق الرجل إملاقا إذا احتاج وافتقر . أي : لا تقتلوا أولادكم الصغار من أجل الفقر فنحن قد تكفلنا برزقكم ورزقهم . وما مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّه رِزْقُها . ولا شك أن الحياة حق لهؤلاء الصغار كما أنها حق لكم . فمن الظلم البين الاعتداء على حقوقهم ، والتخلص منهم خوفا من الفقر ، مع أن اللَّه - تعالى - هو الرازق لكم ولهم . والمجتمع الذي يبيح قتل الأولاد خوفا من الفقر أو خوفا من العار ، لا يمكن أن يصلح شأنه ، لأنه مجتمع نفعي تسوده الأثرة والأنانية ، ويكون في الوقت نفسه مجتمعا أفراده يسودهم التشاؤم ، وتتغشاهم الأوهام ، لأنهم يظنون أن اللَّه يخلق خلقا لا يدبر لهم حقهم من الرزق ، ويعتدون على روح بريئة طاهرة تخوفا من جريمة متوهمة ، وذلك هو الضلال المبين . - وقد روى النهى عن قتل الأولاد هنا بهذه الصيغة ، وورد في سورة الإسراء بصيغة أخرى هي قوله - تعالى - ولا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وإِيَّاكُمْ وليس إحداهما
هامش
( 1 ) تفسير القرآن الكريم ص 434 لفضيلة الأستاذ الشيخ محمود شلتوت .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 216 | سيد محمد طنطاوي