تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
تكرارا للأخرى . وإنما كل واحدة منهما تعالج حالة معينة . - فهنا يقول - سبحانه - * ( مِنْ إِمْلاقٍ ) * أي : لا تقتلوهم بسبب الفقر الموجود فيكم أيها الآباء لذا قال : * ( نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وإِيَّاهُمْ ) * فجعل الرزق للآباء ابتداء ، لأن الفقر الذي يقتلون من أجله أولادهم حاصل لهم فعلا . - وفي سورة الإسراء يقول : خَشْيَةَ إِمْلاقٍ أي : خوفا من فقر ليس حاصلا ، ولكنه متوقع بسبب الأولاد ولذا قال : نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وإِيَّاكُمْ فقدم رزق الأولاد لأنهم سبب توقع الفقر ، ليكف الآباء عن هذا التوقع ، وليضمن للأولاد رزقهم ابتداء مستقلا عن رزق الآباء . ففي كلتا الحالتين القرآن ينهى عن قتل الأولاد ، ويغرس في نفوس الآباء الثقة باللَّه ، والاعتماد عليه . وجملة * ( نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وإِيَّاهُمْ ) * تعليلية لإبطال ما اتخذوه سببا لمباشرة جريمتهم ، وضمان منه - سبحانه - لأرزاقهم أي : نحن نرزق الفريقين لا أنتم وحدكم ، فلا تقدموا على تلك الجريمة النكراء وهي قتل الأولاد لأن الأولاد قطعة من أبيهم ، والشأن حتى في الحيوان الأعجم أنه يضحى من أجل أولاده ، ويحميهم ويتحمل الصعاب في سبيلهم . أما الوصية الرابعة فتقول : * ( ولا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وما بَطَنَ ) * الفواحش . جمع فاحشة وهي كما قال الراغب في مفرداته - ما عظم قبحه من الأقوال والأفعال يقال : فحش فلان ، أي صار فاحشا مرتكبا للقبائح ، والمتفحش هو الذي يأتي بالفحش من القول أو الفعل ، كالسرقة والزنا والنميمة وشهادة الزور . وأنهاكم عن أن تقتربوا من الأقوال والأفعال القبيحة ما كان منها ظاهرا وما كان منها خافيا . وقد تعلق التحريم والنهى بهذا الوصف الذي يشعر بالعلة - كما يقول علماء الأصول - فكأنه قال . إن كل قول أو فعل تستقبحه العقول فهو فاحشة يجب البعد عنها . والمجتمع الذي يؤمن بأن هناك « فواحش » يجب أن تجتنب ، و « محاسن » يجب أن تلتمس هو المجتمع الفاضل الطهور . أما المجتمع الذي يسوى بين القبيح والحسن ، ويقوم على الإباحية التي لا تفرق بين ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك ، فلا بد أن يكون مصيره إلى التدهور والتعاسة والمهانة . وجملة * ( ما ظَهَرَ مِنْها وما بَطَنَ ) * بدل اشتمال من الفواحش . وتعليق النهى بقربانها للمبالغة في الزجر عنها لأن قربانها قد يؤدى إلى مباشرتها ، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، وهذا لون حكيم من ألوان الإصلاح ، لأنه إذا حصل النهى
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 217 | سيد محمد طنطاوي