تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
وفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ . وسمى السحاب سماء لأن العرب تسمى كل ما علا سماء ، ونزول الماء من السحاب قد جاء صريحا في مثل قوله - تعالى - أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوه مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ . و * ( مِنَ ) * في قوله * ( مِنَ السَّماءِ ) * ابتدائية ، لأن ماء المطر يتكون في طبقات الجو العليا الباردة عند تصاعد البخار الأرضي إليها فيصير البخار كثيفا وهو السحاب ثم يتحول إلى ماء ، والباء في * ( بِه ) * للسببية . حيث جعل اللَّه - تعالى - الماء سببا في خروج النبات ، والفاء في قوله * ( فَأَخْرَجْنا بِه ) * للتفريع و * ( فَأَخْرَجْنا ) * عطف على * ( أَنْزَلَ ) * والالتفات إلى التكلم إظهار لكمال العناية بشأن ما أنزل الماء لأجله . ثم شرع - سبحانه - في تفصيل ما أجمل من الإخراج فقال : * ( فَأَخْرَجْنا مِنْه خَضِراً ) * أي : فأخرجنا من النبات الذي لا ساق له نباتا غضا أخضر ، وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة ، وخضر بمعنى أخضر اسم فاعل . يقال : خضر الزرع - من باب فرح - وأخضر ، فهو خضر وأخضر . وقوله * ( نُخْرِجُ مِنْه حَبًّا مُتَراكِباً ) * . أي : نخرج من هذا النبات الخضر * ( حَبًّا مُتَراكِباً ) * أي : متراكما بعضه فوق بعض كما في الحنطة والشعير وسائر الحبوب ، يقال : ركبه - كسمعه - ركوبا ومراكبا . أي : علاه . وجملة * ( نُخْرِجُ مِنْه ) * صفة لقوله « خضرا » . وعبر عنها بصيغة المضارع لاستحضار الصورة لما فيها من الغرابة لأن إخراج الحب المتراكب من هذا الخضر الغض يدعو إلى التأمل والإعجاب بمظاهر قدرة اللَّه . وبعد أن ذكر - سبحانه - ما ينبت من الحب أتبعه بذكر ما ينبت من النوى فقال : * ( ومِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ ) * . الطلع : أول ما يبدو ويخرج من تمر النخل كالكيزان . وقشره يسمى الكفرى وما في داخله يسمى الإغريق لبياضه . والقنوان . جمع قنو وهو العرجون بما فيه الشماريخ ، وهو ومثناه سواه لا يفرق بينهما إلا في الإعراب . أي : ونخرج بقدرتنا من طلع النخل قنوان دانية القطوف ، سهلة التناول أو بعضها دان قريب من بعض لكثرة حملها . قال صاحب الكشاف : و * ( قِنْوانٌ ) * رفع بالابتداء ، و * ( مِنَ النَّخْلِ ) * خبره و * ( مِنْ طَلْعِها ) *
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 141 | سيد محمد طنطاوي