ورحمته بعباده ، لقوم يعلمون وجه الاستدلال بها فيعملون بموجب علمهم ، ويزدادون إيمانا على إيمانهم .
فالجملة الكريمة مستأنفة للتسجيل والتبليغ وقطع معذرة من لم يؤمنوا .
والتعريف في الآيات للاستغراق فيشمل آية خلق النجوم وغيرها .
ثم ساق - سبحانه - لونا رابعا من دلائل كمال قدرته ورحمته . فقال - تعالى - : * ( وهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ ) * .
أي : وهو - سبحانه - الذي أوجدكم من نفس واحدة هي نفس أبيكم آدم - عليه السلام - قال - تعالى - يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً ونِساءً .
وفي هذه الجملة الكريمة تذكير بنعمة أخرى من نعم اللَّه على خلقه ، لأن رجوع الناس إلى أصل واحد أقرب إلى التواد والتراحم والتعاطف ، وفيها - أيضا - دليل على عظيم قدرته - عز وجل - . والفاء في قوله - تعالى - * ( فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ ) * للتفريع عن أنشأكم .
أي : أنشأكم من نفس واحدة فلكم موضع الاستقرار في الأرحام أو في الأرض وموضع استيداع في الأصلاب أو في القبور .
وهذا التفسير مأثور عن ابن عباس ، وقد زكاه الإمام الرازي فقال : ومما يدل على قوة هذا القول أن النطفة الواحدة لا تبقى في صلب الأب زمانا طويلا فالمستقر أقرب إلى الثبات من المستودع « « 1 » .
وقيل المستقر حالة الإنسان بعد الموت لأنه إن كان سعيدا فقد استقرت تلك السعادة ، وكذلك إن كان شقيا ، والمستودع حالة قبل الموت لأن الكافر قد ينقلب مؤمنا .
وقيل : المستقر من خلق من النفس الأولى ودخل الدنيا واستقر فيها ، والمستودع الذي لم يخلق بعد وسيخلق .
والذي نراه أن الرأي الأول هو الصحيح لأنه رأى جمهور المفسرين ، ولأن شواهد القرآن تؤيده كما في قوله - تعالى - ولَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إِلى حِينٍ وكما في قوله - تعالى - ونُقِرُّ فِي الأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى .
وقرئ * ( فَمُسْتَقَرٌّ ) * - بكسر القاف - أي : فمنكم مستقر في الأرحام ومنكم مستودع .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 104 .