* ( ذلِكُمُ اللَّه فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ) * الأفك - بفتح الهمزة - مصدر أفكه يأفكه من باب ضرب إذا صرفه عن مكان أو عن عمل ، ويقال أفكت الأرض أفكا : أي صرف عنها المطر .
والإشارة بذلكم لزيادة التمييز ، وللتعريض بغباوة المخاطبين والمشركين لغفلتهم عن هذه الدلالة على أنه هو المستحق للعبادة .
والمعنى : ذلكم المتصف بما ذكر من مقتضى الحكمة البالغة والقدرة النافذة هو اللَّه خالق كل شيء فكيف تصرفون عن عبادة من يخلق إلى عبادة من لا يخلق ، وتشركون معه من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ؟ .
قال الإمام الرازي : والمقصود منه أن الحي والميت متضادان متنافيان ، فحصول المثل عن المثل يوهم أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية . أما حصول الضد من الضد فيمتنع أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية بل لا بد أن يكون بتقدير المقدر الحكيم والمدبر العليم « « 1 » .
ثم بين - سبحانه - ألوانا أخرى من مظاهر قدرته وحكمته فقال : * ( فالِقُ الإِصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً ، والشَّمْسَ والْقَمَرَ حُسْباناً ) * .
الإصباح : مصدر سمى به الصبح ، أي : شاق ظلمة الصبح - وهي الغبش في آخر الليل الذي يلي الفجر المستطيل الكاذب - عن بياض النهار فيضيء الوجود ، ويضمحل الظلام ، ويذهب الليل بسواده ، ويجيء النهار بضيائه .
وجملة « فالق الإصباح » خبر لمبتدأ محذوف أي : هو فالق ، أو خبر آخر لإنّ * ( وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً ) * أي وجعل الليل محلا لسكون الخلق فيه ، وراحة لهم بعد معاشهم بالنهار وسعيهم للحصول على رزقهم .
قال صاحب الكشاف : السكن : ما يسكن إليه الرجل ويطمئن استئناسا به واسترواحا إليه ، من زوج أو حبيب . ومنه قيل للنار سكن لأنه يستأنس بها ، ألا تراهم سموها المؤنسة ، والليل يطمئن إليه المتعب بالنهار لاستراحته فيه ، ويجوز أن يراد : وجعل الليل مسكونا فيه من قوله : لِتَسْكُنُوا فِيه « 2 » .
* ( والشَّمْسَ والْقَمَرَ حُسْباناً ) * الحسبان في الأصل مصدر حسب - بفتح السين - كالغفران والشكران تقول حسبت المال حسبانا : أي أحصيته عددا . والمعنى : وجعل الشمس والقمر يجريان في الفلك بحساب مقدر معلوم لا يتغير ولا يضطرب حتى ينتهى إلى أقصى منازلهما بحيث
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 48 .
( 2 ) تفسير الكشاف : ج 2 ص 49 .