قال الآلوسي : ( وآزر بزنة آدم علم أعجمي لأبى إبراهيم - عليه السلام - وكان من قرية من سواد الكوفة ، وهو بدل من إبراهيم أو عطف بيان عليه ، وقيل : إنه لقب لأبى إبراهيم واسمه الحقيقي تارح وأن آزر لقبه ، وقيل هو اسم جده ومنهم من قال اسم عمه ، والعم والجد يسميان أبا مجازا ) « 1 » .
والاستفهام في قوله * ( أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً ) * للإنكار . والتعبير بقوله * ( أَتَتَّخِذُ ) * الذي هو افتعال من الأخذ ، فيه إشارة بأن عبادته هو وقومه لها شيء مصطنع ، والأصنام ليست أهلا للألوهية ، وفي ذلك ما فيه من التعريض بسخافة عقولهم ، وسوء تفكيرهم .
والرؤية يجوز أن تكون بصرية قصد منها في كلام إبراهيم أن ضلال أبيه وقومه صار كالشىء المشاهد لوضوحه ، وعليه فقوله * ( فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) * في موضع المفعول .
ويجوز أن تكون الرؤية علمية وعليه فقوله * ( فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) * في موضع المفعول الثاني .
ووصف الضلال بأنه مبين يدل على شدة فساد عقولهم حيث لم يتفطنوا لضلالهم مع أنه كالمشاهد المرئي .
قال الشيخ القاسمي : قال بعض مفسري الزيدية : ثمرة الآية الدلالة على وجوب النصيحة في الدين لا سيما للأقارب ، فإن من كان أقرب فهو أهم ، ولهذا قال - تعالى - وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ وقال - تعالى - : قُوا أَنْفُسَكُمْ وأَهْلِيكُمْ ناراً وقال صلى اللَّه عليه وسلم « أبدأ بنفسك ثم بمن تعول » ولهذا بدأ النبي صلى اللَّه عليه وسلم بعلى وخديجة وزيد وكانوا معه في الدار فآمنوا وسبقوا ، ثم بسائر قريش ، ثم بالعرب ، ثم بالموالي ، وبدأ إبراهيم بأبيه ثم بقومه ، وتدل هذه الآية - أيضا - على أن النصيحة في الدين ، والذم والتوبيخ لأجله ليس من العقوق ، وقد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة « وعلى وجه آزر قترة وغبرة » فيقول له إبراهيم : ألم أقل لك لا تعصني ؟ فيقول أبوه : فاليوم لا أعصيك . فيقول إبراهيم :
يا رب إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون ، فأي خزي أخزى من أبى الأبعد ؟ فيقول اللَّه - تعالى - « إني حرمت الجنة على الكافرين » .
ثم قال الشيخ القاسمي : والآية حجة على الشيعة في زعمهم أنه لم يكن أحد من آباء الأنبياء كافرا ، وأن آزر عم إبراهيم لا أبوه ، وذلك لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة ومثله لا يجزم به من غير نقل « « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 7 ص 149 .
( 2 ) تفسير القاسمي ج 6 ص 3368 .