تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
ولأن الحذر عند انتقال الصفوف وتحركها واجب حتى لا يباغتهم الأعداء وهم يتحولون من مكان إلى مكان ، وهذا أشبه بتغيير الخطط وقت القتال ، وهو أمر له خطورته فوجب أن تشتد يقظة المسلمين حينئذ . وإلى هذا المعنى أشار بعضهم بقوله : فإن قلت لم ذكر في أول الآية الأسلحة فقط ، وذكر هنا الحذر والأسلحة ؟ قلت : لأن العدو قلما يتنبه للمسلمين في أول الصلاة بل يظنون كونهم قائمين في المحاربة والمقاتلة . فإذا قاموا إلى الركعة الثانية ظهر للكفار أن المسلمين في الصلاة ، فحينئذ ينتهزون الفرصة في الإقدام على المسلمين فلا جرم أن اللَّه - تعالى - أمرهم في هذا الموضع بزيادة الحذر من الكفار مع أخذ الأسلحة « 1 » . وقوله - تعالى - * ( وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً ) * بيان لما من أجله أمروا بأخذ الحذر والسلاح . والخطاب لجميع المؤمنين . وقوله * ( وَدَّ ) * من الود وهو محبة الشيء وتمنى حصوله . والأسلحة : جمع سلاح . وهو اسم جنس لآلات الحرب التي يستعملها الناس في حروبهم وقتالهم . والأمتعة : جمع متاع . وهو كل ما ينتفع به من عروض وأثاث . والمراد به هنا : ما يكون مع المحاربين من أشياء لا غنى لهم عنها كبعض ملابسهم وأطعمتهم ومعداتهم . و * ( لَوْ ) * في قوله * ( لَوْ تَغْفُلُونَ ) * مصدرية . وقوله * ( مَيْلَةً ) * منصوب على المفعول المطلق لبيان العدد . والمعنى : كونوا دائما - أيها المؤمنون - في أقصى درجات التنبه والتيقظ والحذر ، فإن أعداءكم الكافرين يودون ويحبون غفلتكم وعدم انتباهكم عن أسلحتكم وأمتعتكم التي تستعملونها في قتالكم لهم ، وفي هذه الحالة يحملون عليكم حملة واحدة قوية شديدة ليقتلوا منكم من يستطيعون قتله . فعليكم - أيها المؤمنون - أن تجمعوا بين الصلاة والجهاد جمعا مناسبا حكيما بحيث لا يشغلكم أحد الأمرين عن الآخر أو عن حسن الاستعداد لمجابهة أعدائكم الذين يتربصون بكم الدوائر . فالآية الكريمة من مطلعها إلى هنا تراها تأمر بشدة وتكرار بأخذ الحذر وحمل السلاح لمجابهة أي مباغتة من المشركين . ومع هذا فقد رخص اللَّه - تعالى - للمؤمنين بوضع السلاح في أحوال معينة دون أن يرخص لهم في أخذ الحذر فقال - تعالى - * ( ولا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وخُذُوا حِذْرَكُمْ ) * .
هامش
( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 420 - نقلا عن الخازن -