كما عالجت أحوالهم فيما يختص بحفظ كيانهم الخارجي ، عن طريق التشريعات والتوجيهات التي اشتملت عليها السورة الكريمة ، والتي من شأنها أن تحفظ للأمة كيانها وشخصيتها متى تمسكت بها ، وأن تجعلها قادرة على دفع الشر الذي يطرأ عليها من أعدائها .
بل إن السورة الكريمة لم تقف عند حد التنبيه على عناصر المقاومة المادية ، وإنما نبهت على ما يجب أن تحفظ به عقيدة الأمة ومبادئها من التأثر بما يلقى في شأنها من الشكوك والشبه . وفي هذا إيحاء يجب على المسلمين أن يلتفتوا إليه ، وهو أن يحتفظوا بمبادئهم كما يحتفظون بأوطانهم .
وأن يحصنوا أنفسهم من شر حرب أشد خطرا ، وأبعد في النفوس أثرا من حرب السلاح المادي : تلك هي حرب التحويل من مبدأ إلى مبدأ ، ومن دين إلى دين ، مع البقاء في الأوطان والإقامة في الديار والأموال .
ألا وإن شخصية الأمة ليتطلب بقاؤها الاحتفاظ بالجانبين : جانب الوطن والسلطان .
وجانب العقيدة والإيمان . وعلى هذا درج سلفنا الصالح فعاشوا في أوطانهم آمنين . وبمبادئهم وعقائدهم متمسكين » « 1 » .
وبعد : فهذا تمهيد بين يدي تفسير سورة النساء . تعرضنا خلاله لعدد آياتها . ولزمان نزولها .
ولسبب تسميتها بهذا الاسم . ولوجه المناسبة بينها وبين سابقتها . ولجانب من فضائلها .
وللمقاصد الإجمالية التي اشتملت عليها .
ولعلنا بذلك - أخي القارئ - نكون قد قدمنا لك تعريفا لهذه السورة يعينك على تفهم أسرارها ، ومقاصدها . وتوجيهاتها قبل أن نبدأ في تفسير آياتها بالتفصيل والتحليل .
واللَّه نسأل أن يوفقنا جميعا لما يحبه ويرضاه وأن يجنبنا فتنة القول والعمل . وأن يجعل أعمالنا وأقوالنا ونوايانا خالصة لوجهه الكريم .
وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
هامش
( 1 ) تفسير القرآن الكريم ص 177 ، ص 266 - بتصرف وتلخيص - لفضيلة الأستاذ الشيخ محمود شلتوت - رحمه اللَّه - .