قال - سبحانه - : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ ، قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ؟ قالُوا : كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ ، قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّه واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ؟ فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيراً . إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والْوِلْدانِ ، لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا . فَأُولئِكَ عَسَى اللَّه أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ، وكانَ اللَّه عَفُوًّا غَفُوراً .
ثم بشرت السورة الكريمة في مطلع الربع الثامن منها الذين يهاجرون في سبيل اللَّه ، بالخير الوفير والأجر الجزيل فقالت .
ومَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّه يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وسَعَةً ، ومَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِه مُهاجِراً إِلَى اللَّه ورَسُولِه ثُمَّ يُدْرِكْه الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُه عَلَى اللَّه وكانَ اللَّه غَفُوراً رَحِيماً .
ثم أرشدت المؤمنين إلى الطريقة التي يؤدون بها فريضة الصلاة في حال جهادهم ، لأن الصلاة فريضة محكمة لا يسقطها الجهاد ، بل هي تقوى دوافعه ، وتحسن ثماره ونتائجه .
كما أمرتهم بالإكثار من ذكر اللَّه في كل أحوالهم ، وبمواصلة جهاد أعدائهم بدون كلل أو ملل حتى تكون كلمة اللَّه هي العليا .
قال - تعالى - : فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّه قِياماً وقُعُوداً وعَلى جُنُوبِكُمْ ، فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً . ولا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ .
ثم بينت السورة الكريمة أن اللَّه - تعالى - قد أنزل القرآن على نبيه صلى اللَّه عليه وسلم لكي يحكم بين الناس بالعدل الذي أراه اللَّه إياه ، ونهت الأمة في شخصه صلى اللَّه عليه وسلم عن الخيانة والميل مع الهوى ووبخت المنافقين الذين « يستخفون من الناس ولا يستخفون من اللَّه ، كما وبخت الذين يدافعون عنهم أو يسيرون في ركابهم . وذكرت جانبا من مظاهر عدله - سبحانه - ، ورحمته الشاملة .
أما عدله فمن مظاهره أنه جعل الجزاء من جنس العمل ومَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُه عَلى نَفْسِه .
وأما شمول رحمته فمن مظاهرها أنه - سبحانه - فتح باب التوبة لعباده وأكرمهم بقبولها متى صدقوا فيها : ومَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَه ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّه يَجِدِ اللَّه غَفُوراً رَحِيماً .
ثم بينت السورة الكريمة في مطلع الربع التاسع منها أن الاستخفاء بالأقوال والأفعال عن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم أكثره لا خير فيه فقالت :
لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 14
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص١٤