بتقطع الحبل ، وتشبيه الخيبة بالبعد عن الثمرة ، وتشبيه الوقوع في العذاب بالسقوط المهلك . . » « 1 » .
ثم بين - سبحانه - ما قاله الأتباع على سبيل الحسرة والندم فقال : * ( وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا ) * .
الكرة : الرجعة والعودة . يقال : كر يكر كرا : أي : رجع . و ( لو ) للتمني . وقوله * ( فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ ) * منصوب بعد الفاء بأن مضمرة في جواب التمني الذي أشربته لو ، والكاف في قوله * ( كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا ) * في محل نصب نعت لمصدر محذوف أي تبرأ مثل تبرئهم .
والمعنى : وقال الذين كانوا تابعين لغيرهم في الباطل بدون تعقل أو تدبر ليت لنا رجعة إلى الحياة الدنيا فنتبرأ من هؤلاء الذين اتبعناهم وأضلونا السبيل كما تبرؤا منا في هذا اليوم العصيب ، ولنشفى غيظنا منهم لأنهم خذلونا وأوردونا موارد التهلكة والعذاب الأليم .
وقوله - تعالى - : * ( كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّه أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ ) * تذبيل لتأكيد الوعيد ، وبيان لحال المشركين في الآخرة .
قال الآلوسي : وقوله : * ( كَذلِكَ ) * في موضع المفعول المطلق لما بعده ، والمشار إليه الآراء المفهوم من قوله : * ( إِذْ يَرَوْنَ ) * أي : كإراء العذاب المتلبس بظهور أن القوة للَّه والتبري وتقطع الأسباب وتمنى الرجعة ، يريهم اللَّه أعمالهم حسرات عليهم . وجوز أن يكون المشار إليه المصدر المفهوم مما بعد والكاف مقحمة لتأكيد ما أفاده اسم الإشارة من الضخامة . أي : مثل ذلك الآراء الفظيع يريهم على حد ما قيل في قوله - تعالى - : وكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً « 2 » .
والمراد بأعمالهم : المعاصي التي ارتكبوها وفي مقدمتها اتباعهم لمن أضلوهم .
و * ( حَسَراتٍ ) * جمع حسرة ، وهي أشد درجات الندم والغم على ما فات . يقال : حسر يحسر حسرا فهو حسير ، إذ اشتدت ندامته على أمر فاته .
قال الرازي : وأصل الحسر الكشف . يقال حسر ذراعيه أي : كشف والحسرة انكشاف عن حال الندامة . والحسور الإعياء لأنه انكشاف الحال عما أوجبه طول السفر . قال - تعالى - :
ومَنْ عِنْدَه لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِه ولا يَسْتَحْسِرُونَ « 3 » .
والمعنى : كما أرى اللَّه - تعالى - المشركين العذاب وما صاحبه من التبرؤ وتقطع الأسباب
هامش
( 1 ) تفسير التحرير والتنوير ج 2 ص 93 للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور .
( 2 ) تفسير الآلوسي ج 2 ص 36 .
( 3 ) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 238 .