والمراد بالذين اتبعوا : أتباعهم وأشياعهم الذين يتلقون جميع أقوالهم بالطاعة والخضوع بدون تدبر أو تعقل .
وجملة * ( ورَأَوُا الْعَذابَ ) * حال من الأتباع والمتبوعين ، والضمير يعود على الفريقين . أي :
تبرؤا جميعا من بعض في حال رؤيتهم للعذاب .
وجملة * ( وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبابُ ) * معطوفة على تبرأ ، أو رأوا .
والباء في * ( بِهِمُ ) * للسببية أي : وتقطعت بسبب كفرهم الأسباب التي كانوا يرجون من ورائها النجاة ، وقيل للملابسة أي : تقطعت الأسباب ملتبسة بهم فخابت آمالهم وسقطوا صرعى .
و * ( الأَسْبابُ ) * جمع سبب ، وهو في الأصل الحبل الذي يرتقى به الشجر ونحوه ، ثم سمى به كل ما يتوصل به إلى غيره ، عينا كان أو معنى . فيقال للطريق سبب ، لأنك بسلوكه تصل إلى الموضع الذي تربده ، ويقال للمودة سبب لأنك تتواصل بها إلى غيرك ، والمراد بالأسباب هنا :
الوشانج والصلات التي كانت بين الأتباع والمتبوعين في الدنيا ، من القرابات والمودات والأحلاف والاتفاق في الدين . . . إلخ .
والمعنى : واذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ يوم القيامة ، ذلك اليوم الهائل الشديد الذي يتنصل فيه الرؤساء من مرؤسيهم ، والاتباع من متبوعيهم حال رؤيتهم جميعا للعذاب وأسبابه ومقدماته وما أعدلهم من شقاء وآلام ، وقد ترتب على كل ذلك أن تقطع ما بين الرؤساء والأذناب من روابط كانوا يتواصلون بها في الدنيا ، وصار كل فريق منهم يلعن الآخر ويتبرأ منه .
قال بعض العلماء : وفي قوله : * ( وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبابُ ) * استعارة تمثيلية إذ شبهت هيئتهم عند خيبة أملهم حين لم يجدوا النعيم الذي تعبوا لأجله مدة حياتهم وقد جاء إبانه في ظنهم فوجدوا عوضه العذاب ، بحال المرتقى إلى النخلة ليجتنى الثمر الذي كد لأجله طول السنة فتقطع به السبب - أي الحبل - عند ارتقائه فسقط هالكا ، فكذلك هؤلاء قد علموا جميعا حينئذ أن لا نجاة لهم ، فحالهم كحال الساقط من علو لا ترجى له سلامة . وهي تمثيلية بديعة تشتمل على سبعة أشياء كل واحد منها يصلح لأن يكون مشبها بواحد من الأشياء التي تشتمل عليها الهيئة المشبهة بها وهي :
تشبيه المشرك في عبادته الأصنام بالمرتقى بجامع السعي ، وتشبيه العبادة وقبول الآلهة منه بالحبل الموصل ، وتشبيه النعيم والثواب بالثمرة في أعلى النخلة لأنها لا يصل إليها المرء إلا بعد طول وهو مدة العمر ، وتشبيه العمر بالنخلة في الطول ، وتشبيه الحرمان من الوصول للنعيم
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 339
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٣٣٩