من السحت والربا فالنار أولى به » « 1 » .
وليس من الورع ولا الزهد المرضى عنه شرعا ترك بعض المباحاث ، فإن اللَّه سوى في المباح بين الفعل والترك ، ومن يجعل ترك المباح من الورع ، والورع مندوب ، فكأنه يقول : إن الترك راجح على الفعل ، وهو غير ما حكم اللَّه به .
وكان الحسن البصري - وهو من أجل التابعين - يقوم عوج من يعدون من الزهد المحمود الامتناع عن تناول بعض المباحات كالأطعمة اللذيذة .
يحكى عنه أنه شهد يوما وليمة ، فرأى رجلا يرفع يده عندما قدمت الحلوى فقال له الحسن :
كل يا لكع فلنعمة اللَّه عليك في الماء البارد أعظم من نعمته في هذه الحلوى .
ودخل عليه مرة أحد الزهاد فقال له الحسن : أتحب الخبيص - وهو طعام لذيذ - فقال الزاهد : لا أحبه ولا أحب من يحبه ! ! فأقبل الحسن على جلسائه وقال لهم : أترونه مجنونا .
والخلاصة : أنه لا ورع في ترك المباح الذي أحله اللَّه من حيث فيه متعة للنفس ، فذلك هو التنطع في الدين ، وإنما الورع في ترك الإكثار من تناول تلك المباحات ، لأن الإكثار منها قد يؤدى إلى الوقوع فيما نهى اللَّه عنه .
هذا ، وقد أورد بعض المفسرين آثارا تدل على أن هذه الآية نزلت في يوم معينين .
قال الآلوسي : نزلت في المشركين الذين حرموا على أنفسهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، وقيل نزلت في قوم من ثقيف وبنى عامر ابن صعصعة وخزاعة وبنى مدلج حيث حرموا التمر والأقط على أنفسهم « 2 » والذي نراه أن الخطاب في الآية لجميع المكلفين من البشر ، وأنها واردة لتفنيد آراء الذين يحرمون على أنفسهم مطعومات لم يقم دليل من الشارع على تحريمها ، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
ثم قال - تعالى - : * ( ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ) * .
الخطوات : جمع خطوة كغرفة وقيل جمع خطوة كقبضة ، وهي في الأصل ما بين القدمين عند المشي ، وتستعمل على وجه المجاز في الآثار .
أي : كلوا أيها الناس من الطيبات التي أحلها اللَّه لكم . ولا تتبعوا آثار الشيطان وزلاته
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 204 طبعة عيسى الحلبي .
( 2 ) تفسير الآلوسي ج 2 ص 28 .