إلى الآن ( 54 ) .
وكتصرّف عيسى عليه السّلام كذلك وعروجه عليها ( 55 ) .
( حضور الإنسان الكامل في أمكنة مختلفة على صورة واحدة )
وأيضا قد تقرّر أنّ الملك والجنّ يتشكّلون بأيّ شمل أرادوا ، ويدخلون في أيّ عالم كان ( 56 ) ، والإنسان أشرف منهم بالاتّفاق ، بل وهم ير المحيط الأعظم والبحر الخضم ، ج 4 ، ص : 93
هامش
( 54 ) قوله : كتصرّف إدريس عليه السّلام .
أخبر به القرآن الكريم :
* ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّه ُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا وَرَفَعْناه ُ مَكاناً عَلِيًّا ) * [ مريم :
56 - 57 ] .
راجع في رفع إدريس عليه السّلام إلى السماء وفي أنه عليه السّلام حيّ بعد أو قبض ؟
بحار الأنوار ج 11 ص 270 باب 9 قص إدريس عليه السّلام ، وأيضا قصص الأنبياء للراوندي الباب الثاني في نبوة إدريس ونوح عليهم السّلام ص 73 ، وقصص الأنبياء لسيّد نعمت اللَّه الجزائري ، الباب الرابع ، وقصص الأنبياء لابن كثير باب ذكر إدريس عليه السّلام ص 53 .
( 55 ) قوله : كتصرّف عيسى عليه السّلام .
أخبر به القرآن الكريم :
* ( وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّه ِ وَما قَتَلُوه ُ وَما صَلَبُوه ُ وَلكِنْ شُبِّه َ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيه ِ لَفِي شَكٍّ مِنْه ُ ما لَهُمْ بِه ِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوه ُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَه ُ اللَّه ُ إِلَيْه ِ وَكانَ اللَّه ُ عَزِيزاً حَكِيماً ) * [ النساء : 156 - 157 ] .
( 56 ) قوله : قد تقرّر أنّ الملك والجنّ يتشكّلون .
قد دلَّت عليه الآيات والروايات ، ولكنّ الصحيح في التعبير هو أن نقول في الملائكة :
التمثّل ، وفي الجنّ : التشكّل والتصوّر ، أعني التغيير في الصورة والشكل ، وأمّا في
الإنسان الكامل والوليّ المطلق : الحضور مباشرة ، أو خلق الأبدان والأبدال ، أو التمثّل .
أمّا بالنسبة إلى تمثّل الملائكة ، فقال سبحانه وتعالى :
* ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ) * [ مريم : 16 - 17 ] .
وقال تعالى :
* ( وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْه ِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُه ُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ ) * [ هود : 69 - 71 ] .
وقال سبحانه تعالى :
* ( وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ ) * .
. . * ( قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ) * [ هود : 77 - 81 ] .
وأمّا بالنسبة تغيّر شكل إبليس وتبدّل صورته ، فقال عزّ وجلّ :
* ( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْه ِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّه َ وَاللَّه ُ شَدِيدُ الْعِقابِ ) * [ الأنفال : 48 ] .
روى الشيخ الطوسي ، بإسناده عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري قال : سمعت جابر ابن عبد اللَّه بن حزام الأنصاري رحمه اللَّه يقول : تمثل إبليس لعنه اللَّه في أربع صور :
تمثّل يوم بدر في صورة سراقة بن جعشم المديحي فقال لقريش : * ( لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْه ِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ ) * [ الأنفال : 48 ] .
وتصوّر يوم العقبة في صورة منبه بن الحجاج فنادى : أنّ محمّدا والصباة معه عند العقبة فأدركوهم ، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه واله للأنصار : لا تخافوا فإنّ صوته لن يعدوهم .
وتصوّر يوم اجتماع قريش في دار الندوة في صورة شيخ من أهل نجد وأشار إليهم في النبيّ صلى اللَّه عليه واله بما أشار ( في أمرهم ) ، فأنزل اللَّه تعالى :
* ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّه ُ وَاللَّه ُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ) * [ الأنفال : 30 ] .
وتصوّر يوم قبض النبيّ عليه السّلام في صورة المغيرة بن شعبة فقال :
« أيّها الناس لا تجعلوها ( لا تجعلوا ) كسروانيّة ولا قيصرانيّة وسعوها تتسع فلا تردوا إلى بني هاشم فتنتظر ( فينظر ) بها الحبالى » .
أمالي الشيخ الجزء السادس ص 180 ، وعنه البحار ج 19 ص 270 ، وتفسير البرهان وتفسير الميزان في سورة الأنفال الآية 48 .
وراجع أيضا تفسير الدر المنثور سورة الأنفال ج 4 ص 53 و 77 ، وشرح ابن أبي الحديد ج 14 ص 157 ، وبحار الأنوار ج 20 ص 128 ، وج 19 ص 236 وص 226 ، وج 59 ص 198 .
هذا من حيث الصغرى الَّتي تحكي عن الوقوع الخارجي .
وأمّا من حيث الكبرى :
روى القمي في تفسيره في حديث : « فقال إبليس : يا ربّ فكيف وأنت العدل الَّذي لا يجور فثواب عملي بطل ؟ قال : « لا ، ولكن سلني من أمر الدنيا ما شئت ثوابا لعملك أعطك ، فأوّل ما سأل : البقاء إلى يوم الدين فقال اللَّه : وقد أعطيتك ، قال : سلَّطني على ولد آدم ، قال : سلَّطتك ، قال : أجرني فيهم مجرى الدم في العروق ، قال : قد أجريتك ، قال : لا يولد لهم ولد إلَّا ولد لي اثنان وأراهم ولا يروني ، وأتصوّر لهم في كل صورة شئت ، فقال : قد أعطيتك ، قال : يا ربّ زدني ، قال : قد جعلت لك ولذريّتك صدورهم أوطانا ، قال : ربّ حسبي » .
( تفسير الميزان ج 8 ص 61 ) .
قال القيصري في الفصل السادس من المقدّمة في شرح فصوص الحكم :
تنبيه : لا بدّ أن يعلم أنّ كل ماله وجود في العالم الحسّي هو موجود في العالم المثالي دون العكس ، لذلك قال أرباب الشهود : إنّ العالم الحسّي بالنسبة إلى عالم المثالي كحلقة ملقاة في بيداء لا نهاية لها ، أمّا إذا أراد الحقّ تعالى ظهور ما لا صورة لنوعه في هذا العالم في الصور الحسيّة ، كالعقول المجرّدة وغيرها ، يتشكل بأشكال المحسوسات بالمناسبات الَّتي بينها وبينهم وعلى قدر استعداد ماله التشكل كظهور جبرئيل عليه السّلام بصورة « دحية الكلبي » وبصورة أخرى ، وكذلك باقي الملائكة السماويّة والعنصريّة ، والجنّ أيضا وإن كان لها أجسام ناريّة كما قال تعالى فيهم : * ( وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ ) * .
والنفوس الإنسانية الكاملة أيضا يتشكّلون بأشكال غير اشكالهم المحسوسة وهم في دار الدنيا ، لقوّة انسلاخهم من أبدانهم ، ولهم الدخول في العوالم الملكوتيّة كلَّها كدخول الملائكة في هذا العالم وتشكّلهم بأشكال أهله ، ولهم أن يظهروا في خيالات المكاشفين كما تظهر الملائكة والجنّ ، وهؤلاء هم المسمّون بالبدلاء » .
راجع أيضا « مفاتيح الغيب » لصدر المتألهين ص 214 .