فكلّ من أراد التأسّي بنبيّه صلَّى اللَّه عليه وآله على ما ينبغي ، فينبغي أن يتّصف بمجموع هذه الأوصاف أو ببعضها إن لم يتمكّن من الكلّ ، ولا ينكر على أحد من المتّصفين بها أصلا : لأنّ مرجع الكلّ وإن اختلف أوضاعها إلى حقيقة واحدة الَّتي هي الشرع النبويّ والوضع الإلهي كما سبق تحقيقه وتقدّم تقريره .
( في معنى النّبوّة والرسالة والولاية )
وفي الحقيقة هذه المراتب الثلاث ( 10 ) مقتضيات مراتب أخر الَّتي هي
هامش
( 10 ) قوله : هذه المراتب الثلاث .
هذه بتعبير آخر هي : مراتب التوحيد ، أي التوحيد الأفعالي ، والتوحيد الصفاتي ، والتوحيد الذاتي .
ولكل مرتبة ، مراتب ودرجات ، أكملها الإمامة فهي أيضا ذات درجات ، فدرجة لإبراهيم مثلا ودرجة للخاتم صلَّى اللَّه عليه وآله ولعترته المعصومين عليهم السّلام وبينهما تفاوت شاسع .
راجع التعليق 302 و 301 و 289 .
قال اللَّه تعالى :
* ( وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ ) * [ الإسراء : 55 ] .
وقال سبحانه وتعالى :
* ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّه ُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ » [ البقرة : 253 ] .
وقال في إمامة بعضهم وفي الإشارة إلى الدليل ، أو الطريق الَّذي وصلوا به إلى هذا المقام :
* ( وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ ) * [ السجدة : 24 ] .
وقال :
* ( وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ ) * [ الأنبياء : 73 ] .
هؤلاء الأئمّة كانوا متّصفون بالصبر والعبوديّة واليقين من جانب ، وكانوا منزّهون عن الظلم من جانب آخر .
أمّا الصبر والعبوديّة واليقين ، من جهة العمل والعلم والتخلية وعلى مستوى الشرط ، وأمّا التنزّه عن الظلم ، من جهة التخلية وعلى مستوى عدم المانع .
قال تعالى :
* ( وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّه ُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) * [ البقرة : 124 ] .
اليقين مقام به يرى صاحبه الملكوت ، كما قال اللَّه سبحانه في إبراهيم :
* ( وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) * [ الأنعام : 75 ] .
وقال :
* ( كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ ) * [ التكاثر : 5 - 7 ] .
وقال في النبيّ الخاتم صلَّى اللَّه عليه وآله :
* ( ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ) * [ النجم : 11 ] .
فاليقين هذا غير اليقين في الحكمة ، اليقين في القرآن منشأ لمشاهدة باطن العالم والأعمال ، ورؤية الملكوت ، بعين البصيرة .
ولليقين هذا أيضا مراتب بمراتب الولاية والقرب ، فانظر الأحاديث التالية ودقّق فيها :
سئل الصادق عليه السّلام عن علم الإمام بما في أقطار الأرض وهو في بيته مرخى عليه ستره ، فقال عليه السّلام :
« إن اللَّه تبارك وتعالى جعل في النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله خمسة أرواح . . .
وروح القدس ، فبه حمل النبوّة ، فإذا قبض النبيّ أنتقل روح القدس فصار إلى الإمام ، وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو ، وروح القدس كان يرى به » . ( نقلناه تلخيصا ) أصول الكافي ج 1 ص 272 ح 3 وسئل أيضا عن قول اللَّه عزّ وجلّ :
* ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) * [ الإسراء : 85 ] .
قال : « خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل ، كان مع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وهو مع الأئّمة ، وهو من الملكوت » . أصول الكافي ج 1 ص 273 ح 3 .
قال علي بن موسى الرضا عليه السّلام :
« إنّ الإمامة أجلّ قدرا وأعظم شأنا وأعلا مكانا وأمنع جانبا وأبعد غورا من أن يبلغها الناس بعقولهم ، أو ينالوها بآرائهم ، أو يقيموا إماما باختيارهم .
إنّ الإمامة خصّ اللَّه عزّ وجلّ بها إبراهيم الخليل عليه السّلام بعد النبوّة والخلَّة مرتبة ثالثة ، وفضيلة شرّفه بها وأشاد بها ذكره فقال : * ( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ) * فقال الخليل عليه السّلام سرورا بها :
* ( وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) * قال اللَّه تبارك وتعالى : * ( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) * فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة وصارت في الصفوة .
فلم تزل في ذرّيته يرثها بعض عن بعض ، قرنا فقرنا ، حتّى ورّثها اللَّه تعالى النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله فقال جلّ وتعالى :
* ( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوه ُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّه ُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) * [ آل عمران : 68 ] .
فكانت له خاصّة فقلَّدها صلَّى اللَّه عليه وآله عليّا عليه السّلام بأمر اللَّه تعالى على رسم ما فرض اللَّه ، فصارت في ذرّيته الأصفياء الَّذين آتاهم اللَّه العلم والإيمان .
بقوله تعالى : * ( وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّه ِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ ) * [ الرّوم : 56 ] .
فهي في ولد عليّ عليه السّلام خاصّة إلى يوم القيامة إذ لا نبيّ بعد محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله .
والإمام عالم لا يجهل ، وراع لا ينكل ، معدن القدس والطهارة ، والنسك والزهادة ، والعلم والعبادة ، مخصوص بدعوة الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله ونسل المطهّرة البتول .
إنّ الأنبياء والأئمّة صلوات اللَّه عليهم يوفّقهم اللَّه ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم ، فيكون علمهم فوق علم أهل الزمان .
وإنّ العبد إذا اختاره اللَّه عزّ وجلّ لأمور عباده ، شرح صدره لذلك ، وأودع قلبه ينابيع الحكمة ، وألهمه العلم إلهاما ، فلم يعي بعده بجواب ، ولا يحير فيه عن الصواب ، فهو معصوم مؤيّد ، موفّق مسدّد ، قد أمن من الخطايا والزلل والعثار ، يخصّه اللَّه بذلك ليكون حجّته على عباده ، وشاهده على خلقه ، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء واللَّه ذو الفضل العظيم » . ( أصول الكافي ج 1 ص 199 ( تلخيصا ) وعيون أخبار الرضا عليه السّلام ص 216 باب 20 الحديث 1 ) .
راجع أيضا التعليق 132 و 131 .