كنّا حروفا عاليات لم نقل
متعلَّقات في ذري أعلى القلل
أنا أنت فيه ونحن أنت وأنت هو
والكلّ في هو هو فسل عمّن وصل
( 155 ) وقد سبقت هذه في الخطبة للكتاب وغيرها من المواضع ، وما اتّفق لها شرح ولا بسط ، وهذا الموضع أنسب من كلّ المواضع ، لأنّه مخصوص ببحث الحروف ، وحيث أن شرحها يحتاج إلى مقدّمة كلمة ، تقدّم أوّلا تلك المقدّمة ثمّ نشرع فيها .
فنقول :
( في أنّ الوجود من حيث هو وجود واحد من جميع الجهات )
اعلم ، أنّ أصول جميع المحققين من أرباب التوحيد كما سبق ذكرها غير مرّة ، وهي أنّ الوجود من حيث هو وجود ، واحد من جميع الجهات ، وليس فيه تكثر بوجه من الوجوه ، وذلك الوجود هو الحقّ تعالى جلّ ذكره وليس لغيره وجود أصلا ، لا ذهنا ولا خارجا ، وقد أثبتوا هذا بالبراهين العقليّة والدّلائل القطعيّة بعد أن شاهدوه بعين البصيرة كشفا وذوقا ، وهذا الوجود نظرا إلى إطلاقه ووحدته ، وتجرّده وتنزّهه عن التقيّد والتعيّن سمّوه بالمطلق ، ونظرا إلى تنزّله في هذه المراتب المذكورة وتقيّده بصور المظاهر المختلفة سمّوه بالمقيّد ومع إسقاط هذين القيدين أي الإطلاق والتقييد سمّوه بهو هو ، لأنّه من حيث هو هو لا مطلق ولا مقيّد ، لأنّ الإطلاق بالنّسبة إليه يوهم أنّه الإطلاق الَّذي بإزاء التقييد ، والتقييد بالتقييد الَّذي هو بإزاء المطلق وليس كذلك ، لأنّ المراد بالإطلاق عليه عندهم سلب القيد مطلقا وبالتقييد إضافة المقيّدات إليه لقولهم :
التوحيد إسقاط الإضافات .
هامش
( 155 ) قوله : كنّا حروفا .
الشاعر هو الشيخ الأكبر محيي الدّين العربي ، راجع شرح فصوص الحكم للخوارزمي ج 1 ، ص 38 ، كما ذكره أيضا صائن الدّين ابن التركة في « تمهيد القواعد » ص 131 .