وفوق ما يقول القائلون ، انّه قيل له :
وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [ سورة العلق : 19 ] .
فوجد القرب في السّجود فنظر إلى الصّفات فاستعاذ ببعضها من بعض ، فانّ الرّضا والسّخط وصفان متضادّان ثمّ زاد قربه فاندرج القرب الأوّل فيه فرقي إلى الذّات ، فقال : أعوذ بك منك ، ثمّ زاد قربه بما استحيا به على سائر القرب فالتجأ إلى الثّناء ، فأثنى بقوله :
لا أحصي ثناء عليك ، ثمّ علم أنّ ذلك قصور ، فقال : أنت كما أثنيت على نفسك ، فهذه خواطر تسنح للعارفين ، لا يفهم من تفسير الظاهر وليس مناقضا له ، وإنّما هو استكمال لما تحته من الأسرار .
الثالث ، من الموانع أن يكون مبتلى من الدّنيا بهوى مطاع
فانّ ذلك سبب لظلمة القلب وكالصداء على المرآة فيمنع جليّة الحقّ أن يتجلَّى فيه ، وهو أعظم حجاب للقلب وبه حجب الأكثرون ، وكلَّما كانت الشّهوات أكثر تراكما على القلب كان البعد عن أسرار اللَّه أكثر ، ولذلك قال صلَّى اللَّه عليه وآله :
الدّنيا والآخرة ضرّتان بقدر ما تقرب من إحديهما تبعد من الأخرى ( 144 ) .
هامش
( 144 ) قوله : الدّنيا والآخرة ضرّتان .
الصدوق بإسناده عن الإمام زين العابدين عليه السّلام قال : واللَّه ما الدّنيا والآخرة إلَّا ككفتي الميزان فأيّهما رجع ذهب بالآخرة . الخصال ج 1 ، ص 64 ، الحديث 95 .
تحف العقول ص 212 قال عليّ عليه السّلام : الدّنيا والآخرة عدوّان متعاديان وسبيلان مختلفان ، من أحبّ ووالاها أبغض الآخرة وعاداها ، مثلها مثل المشرق والمغرب والماشي بينهما لا يزداد من أحدهما قربا إلَّا ازداد من الآخر بعدا .
في بحار الأنوار ج 73 ، ص 122 نقلا عن كتاب عيون الحكم لعليّ بن محمّد الواسطي ، قال المسيح عليه السّلام : مثل الدّنيا والآخرة كمثل رجل له صرّتان ، إن أرضى إحداهما أسخت الأخرى .