وأجابوا عن حجّة الأوّلين من وجهين :
أحدهما المعارضة بقوله تعالى :
وَجَعَلُوا بَيْنَه ُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً [ سورة الصافات : 158 ] .
وذلك الجعل هو قول قريش : الملائكة بنات اللَّه بدليل قوله تعالى :
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً [ سورة الزخرف : 19 ] .
فهذه الآية تدلّ على أنّ الملائكة من الجنّ .
الثاني ، أنّ كون إبليس من الجنّ لا ينافي كونه من الملائكة لأنّ الملائكة يصدق عليهم اسم الجنّ لأنّ الجنّ مأخوذ من الاجتنان وهو الاستتار ، ومنه سمّي الجنين لاستتاره في بطن أمّه ، ومنه ( المجنون ) الجنون لاستتار العقل فيه ، والملائكة مستترون عن الأعين فوجب جواز إطلاق لفظ الجنّ عليهم .
واعلم ، أنّ الخلاف لفظيّ فإنّه إذا ثبت أنّ الملائكة الَّذين أهبطوا إلى الأرض قبل آدم هم المسمّون بالجنّ ، وإبليس من الجنّ ، ثبت أنّ إبليس من الملائكة ، وليس النّزاع في أنّه من ملائكة الأرض أو من ملائكة السّماء ، بل في كونه من الملائكة مطلقا ، فإذن ليس بينهم خلاف في المعنى .
[ البحث السّادس ]
( في بيان سبب عداوة إبليس لآدم )
البحث السّادس : اختلفوا في سبب عداوة إبليس لآدم فقال بعضهم : إنّه الحسد ، وذلك أنّ إبليس لمّا رأى ما أكرم اللَّه به آدم من إسجاد الملائكة وتعليمه ما لم يطَّلع عليه الملائكة حسده وعاداه .
وقال آخرون : إنّ السبب تباين أصليهما ولمنافرة الأصلين أثر قويّ في منافرة الفرعين ، قالوا : وتباين أصليهما هو منشأ القياس الفاسد من إبليس حين أمر بالسّجود ، وذلك قوله :
أَنَا خَيْرٌ مِنْه ُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَه ُ مِنْ طِينٍ [ سورة الأعراف : 12 ] .
وكأنّه في خطابه يقول : إنّ آدم جسمانيّ كثيف وأنا روحانيّ لطيف ، والجسمانيّ أدون