يزالون مختلفين على هذه الصورة من غير اتّفاق بينهم من جميع الوجوه ، فإنّ ذلك ممكن .
وهذا البحث يرجع إلى أنّ الحقائق بجعل الجاعل أم لا ؟ وقد سبق ذكره مرارا ، وسيجئ مرّة أخرى ، والحاصل أن الاختلاف في الوجود واقع أيضا .
الاختلاف في العقائد وذلك تقدير العزيز العليم لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون ، وحيث كلامنا بحكم الآية كان في العقائد ، فنرجع ونقول :
( سبب اختلاف العقائد بين الناس )
اعلم ، أنّ النّاس كانوا في أوّل العهد على ملَّة واحدة ولكنهم اختلفوا في آخر العهد بمخالطتهم لأهل الأهواء والإغواء لقوله تعالى :
وَمَا اخْتَلَفَ فِيه ِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوه ُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ [ سورة البقرة : 213 ] .
وهذا تصريح بأنّ الاختلاف كان في البعض دون البعض وكان سبب اختلافهم بغيا بينهم أي إضلالا وإغواءا لبعضهم بعضا ، وإن ذلك البعض وقفوا على هذه الحالة والبعض الآخر منهم رجعوا عن حالهم إمّا بواسطة الكتاب النّازل عليهم ، أو الأنبياء والرّسل المبعوثين إليهم ، أو بغير واسطة ، كما أشار إليه جلّ ذكره في قوله :
فَهَدَى اللَّه ُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيه ِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِه ِ وَاللَّه ُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ سورة البقرة : 213 ] .
وهذا الرّجوع دالّ على قوّة استعدادهم ، وبقاء نور فطرتهم أوّلا ، ثمّ إلى عناية اللَّه تعالى بهم ، وكمال فضله ورحمته في حقّهم كما قال :
إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [ سورة هود : 119 ] .
وقال :
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى [ سورة الأنبياء : 101 ] .
وكأنّه تعالى عن الطائفتين المذكورتين أخبر في قوله :