يرجعوا عمّا هم عليه من الضّلال والإغواء ويتوجّهوا إلى الحقّ والطَّريق المستقيم المأمور به ، وأكّد أيضا القول السّابق بالقول اللاحق وقال :
وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيه ِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [ سورة النحل : 64 ] .
ليتحقّقوا أنّ الخلاف والاختلاف كان منهم بتبعيتهم الشياطين ، والإرشاد والهداية كانت من اللَّه تعالى بإنزاله الكتاب عليهم ، وإرساله الأنبياء إليهم ، ويجوز أن يكون آدم ( ع ) من جملة هؤلاء النّبيّين ويكون قد وقع هذا الاختلاف في زمانه وزمان أولاده ( ع ) ، كشيث وإدريس ونوح وأمثالهم ، وعلى جميع التّقادير لا بدّ من الاختلاف بحكم قوله الثّاني :
لا يزالون مختلفين ، إن كان في الماهيّات والحقائق ، وإن كان في الصور والعقائد ، وإن كان في الكلّ أو البعض ، والاختلاف في الكل لا يمكن أصلا بل لا بدّ وأن يكون دائما الاختلاف في البعض والاتّفاق في البعض ، وإن كان هذا الاختلاف في البعض وهذا الاتّفاق في البعض عين الاتّفاق في الكلّ ، لأنّ الكلّ من حيث هو الكلّ لا بدّ وأن يكون مشتملا على المتناقضات والمتخالفات بحكم الأسماء والصّفات الَّتي هو مظهرها وجامعها والكلّ لا يكون كلَّا إلا أن يكون كذلك ، أي مشتملا على المتناقضات والمتخالفات والنّاقص والكامل والشريف والخسيس ، وقول العارف المتقدم ذكره :
فالكلّ مفتقر ، ما الكلّ مستغن
هذا هو الحق قد قلناه لا نكني
الكلّ بالكلّ مربوط فليس له
عنه انفصال خذوا ما قلته عنّي
( 104 ) إشارة إلى هذا ، وقوله تعالى :
وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ [ سورة هود : 118 ، 119 ] .
أيضا إشارة إليه ، ومعناه : أي ولذلك الاختلاف الواقع فيهم من حيث الحقائق والماهيّات والأعيان والأشكال والآراء والاعتقاد في عالم الشّهادة ، ولا
هامش
( 104 ) قوله : فالكلّ مفتقر ، الكلّ مستغن الخ .
قائله محيي الدين بن العربي في فصوصه - شرح الفصوص القيصري ص 93 .