لكن خصّص بمكّة وأهلها تخصيصا بمولده ومنشئه وإلَّا كلّ نبيّ أو رسول أو إمام يكون بعدهم يكون لطفا في حقّ الجميع أعني من المشرق إلى المغرب ، وكلّ من لم يصل إلى هذا اللطف يكون المنع منه لا من الرّسول والإمام أو الحقّ تعالى جلّ ذكره ، وإلى هذا أشار في كتابه بقوله :
قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِه ِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [ سورة الأنعام : 104 ] .
وأمثال ذلك في القرآن كثيرة ، وهذه قاعدة مطَّردة بين العلماء لا سيّما بين الإماميّة والمعتزلة والصّوفيّة الحقّة أيضا ، وليس المراد هذا البحث بل المراد أنّ هذا الكتاب النّازل على نبيّنا يجب أن يكون شاملا للكلّ أي كلّ ما في هذا العالم ، إنسانا كان أو حيوانا ، نباتا كان أو جمادا ، أعني يكون محتويا على مصالحهم في معاشهم ومدارجهم ومراتبهم مطلقا ، لئلَّا يخرج أحد من حكمه ويلزم الفساد المذكور ، وعلى هذا ذهب أهل اللَّه وخاصّته وأهل الكمال بأجمعهم ، لكن بعض المنحرفين عن الحقّ وأهله انحرفوا عن هذا المقام ومالوا إلى ظاهر التّفسير ورضوا بأن يكونوا موصوفين بما قال اللَّه تعالى :
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ [ سورة الروم :
7 ] .
نعوذ باللَّه منهم ، والقرآن لو لم يكن كما قلناه ، ما صدق قوله تعالى :
وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ سورة الأنعام : 59 ] .
وما صدق قوله :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ [ سورة النحل : 89 ] .
وما قال فيه :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْه ِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [ سورة الأنعام : 38 ] .
ولم يكن يصفه أيضا بأنّ كلماته لا تنفد بالبحور السّبعة وما بعدها لقوله :
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 360
مساهمون: السيد حيدر الآملي
ص٣٦٠