قال الحجاج : ما يبكيك ؟
قال : يا حجاج ذكرتني أمراً عظيماً ، والله لا شبعت ولا رويت ولا اكتسيت ولا
زلت حزيناً لما رأيت .
قال الحجاج : وما كنت رأيت هذا اللهو ؟
فقال سعيد : بل هذا والله ( الحزن ) ( 1 ) ، أمّا هذه النفخة فذكرتني يوم النفخ في
الصور ، وأمّا هذا المصران فمن نفس ستحشر معك يوم الحساب ، وأمّا هذا العود
فنبت بحق وقطع لغير حق .
فقال الحجاج : أنا قاتلك .
قال سعيد : قد فرغ من تسبب موتي .
قال الحجاج : أنا أحبّ إلى الله منك .
قال سعيد : لا يقدم أحد على ربّه حتى يعرف منزلته منه ، والله بالغيب أعلم .
قال الحجاج : كيف لا أقدم على ربّي في مقامي هذا وأنا مع إمام الجماعة وأنت
مع إمام الفرقة والفتنة .
قال سعيد : ما أنا بخارج عن الجماعة ولا أنا براض عن الفتنة ، ولكن قضاء الربّ
نافذ لا مرد له .
قال الحجاج : كيف ترى ما نجمع لأمير المؤمنين ؟
قال سعيد : لم أر .
فدعا الحجاج بالذهب والفضة والكسوة والجوهر فوضع بين يديه .
قال سعيد : هذا حسن إن قمت بشرطه .
قال الحجاج : وما شرطه ؟
قال : أن تشتري له بما تجمع الأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة ، وإلاّ فإن كل
مرضعة تذهل عمّا أرضعت ، ويضع كل ذي حمل حمله ، ولا ينفعه إلاّ ما طاب منه .
قال الحجاج : فترى جمعنا طيباً ؟
قال : برأيك جمعته وأنت أعلم بطيبه .
قال الحجاج : أتحب أن لك منه شيئاً ؟
هامش
1 - في المطبوع : ( الخرق ) ، وما أثبتناه من المصدر .