أثناء الصدر سمى توشيحا . سنة وإن أفادت معنى زائدا بعد تمام معنى الكلام سمى إيغالا ;
وربما اختلط التوشيح بالتصدير لكون كل منهما صدره يدل على عجزه . والفرق بينهما
أن دلالة التصدير لفظية ، ودلالة التوشيح معنوية .
* * *
الأول : التمكين ; وهو أن يمهد قبلها ، تمهيدا تأتي به الفاصلة ممكنة في مكانها ، مستقرة
في قرارها ، مطمئنة في موضعها ، غير نافذة ولا قلقة ، متعلقا معناها بمعنى الكلام كله
تعلقا تاما ; بحيث لو طرحت اختل المعنى واضطرب الفهم .
وهذا الباب يطلعك على سر عظيم من أسرار القرآن ، فاشدد يديك به .
ومن أمثلته قوله تعالى : * ( ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله
المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ) * ، فإن الكلام لو اقتصر فيه على قوله : * ( وكفى
الله المؤمنين القتال ) * لأوهم ذلك بعض الضعفاء موافقة الكفار في اعتقادهم أن الريح التي
حدثت كانت سبب رجوعهم ، ولم يبلغوا ما أرادوا ، وأن ذلك أمر اتفاقي ، فأخبر سبحانه
في فاصلة الآية عن نفسه بالقوة والعزة ليعلم المؤمنين ، ويزيدهم يقينا وإيمانا على أنه الغالب
الممتنع ، وأن حزبه كذلك ، وأن تلك الريح التي هبت ليست اتفاقا ; بل هي من
إرساله سبحانه على أعدائه كعادته ; وأنه ينوع النصر للمؤمنين ليزيدهم إيمانا وينصرهم
مرة بالقتال كيوم بدر ، وتارة بالريح كيوم الأحزاب ، وتارة بالرعب كبنى النضير ، وطورا
ينصر عليهم كيوم أحد ، تعريفا لهم أن الكثرة لا تغنى شيئا ، وأن النصر من عنده ،
كيوم حنين .
ومنه قوله تعالى : * ( أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في
البرهان — صفحة 79
مساهمون: الزركشي
ص٧٩