قال : " وأظن أن الذي دعاهم إلى تسمية كل ما في القرآن فواصل ، ولم يسموا
ما تماثلت حروفه سجعا رغبتهم في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام
المروى عن الكهنة وغيرهم ، وهذا غرض في التسمية قريب ، والحقيقة ما قلناه " .
ثم قال : " والتحرير أن الأسجاع حروف متماثلة في مقاطع الفواصل .
فإن قيل : إذا كان عندكم أن السجع محمود فهلا ورد القرآن كله مسجوعا !
وما الوجه في ورود بعضه مسجوعا وبعضه غير مسجوع ؟ قلنا : إن القرآن نزل بلغة العرب
وعلى عرفهم وعادتهم ، وكان الفصيح منهم لا يكون كلامه كله مسجوعا لما فيه من
أمارات التكلف والاستكراه والتصنع ، لا سيما فيما يطول من الكلام ، فلم يرد كله
مسجوعا جريا منه على عرفهم في اللطيفة العالية من كلامهم ، ولم يخل من السجع ; لأنه
يحسن في بعض الكلام على الصفة السابقة ، [ وعليها ورد في فصيح كلامهم ، فلم يجز أن
يكون عاليا في الفصاحة وقد أدخل فيه بشرط من شروطها ] . فهذا هو السبب في ورود
بعضه كذلك وبعضه بخلافه " .
وخصت فواصل الشعر باسم القوافي لأن الشاعر يقفوها أي يتبعها في شعره ، لا يخرج
عنها ، وهي في الحقيقة فاصلة ، لأنها تفصل آخر الكلام ، فالقافية أخص في الاصطلاح ،
إذ كل قافية فاصلة ، ولا عكس .
ويمتنع استعمال القافية في كلام الله تعالى ، لأن الشرع لما سلب عنه اسم الشعر وجب
البرهان — صفحة 58
مساهمون: الزركشي
ص٥٨