بهرت بلاغته العقول ، وظهرت فصاحته على كل مقول ، وتظافر إيجازه وإعجازه ،
وتظاهرت حقيقته ومجازه ، وتقارن في الحسن مطالعه ومقاطعه ، وحوت كل البيان جوامعه
وبدائعه ، قد أحكم الحكيم صيغته ومبناه ، وقسم لفظه ومعناه ، إلى ما ينشط السامع ،
ويقرط المسامع ، من تجنيس أنيس ، وتطبيق لبيق ، وتشبيه نبيه ، وتقسيم وسيم ، وتفصيل
أصيل ، وتبليغ بليغ ، وتصدير بالحسن جدير ، وترديد ماله مزيد ; إلى غير ذلك مما
أجرى من الصياغة البديعة ، والصناعة الرفيعة ، فالآذان بأقراطه خالية ، والأذهان
من أسماطه غير خالية ; فهو من تناسب ألفاظه ، وتناسق أغراضه ، قلادة ذات اتساق ;
ومن تبسم رهره وتنسم نشره ، حديقه مبهجة للنفوس والاسماع والأحداق ; كل كلمة منه
لها من نفسها طرب ، ومن ذاتها عجب ، ومن طلعتها غرة ، ومن بهجتها درة ، لاحت
عليه بهجة القدرة ، ونزل ممن له الامر ، فله على كل كلام سلطان وإمرة ، بهر
تمكن فواصله ، وحسن ارتباط أواخره وأوائله ، وبديع أشارته ، وعجيب انتقالاته ;
من قصص باهرة ، إلى مواعظ زاجرة ، وأمثال سائرة ، وأدلة على التوحيد
ظاهرة ، وأمثال بالتنزيه والتحميد سائرة ، ومواقع تعجب واعتبار ، ومواطن تنزيه
واستغفار ; إن كان سياق الكلام ترجية بسط ، وإن كان تخويفا قبض ، وإن كان
وعدا أبهج ، وإن كان وعيدا أزعج ، وإن كان دعوة حدب ، وإن كان زجرة أرعب ،
وإن كان موعظة أقلق ، وإن كان ترغيبا شوق ،
- هذا ، وكم فيه من زوايا * وفى زواياه من خبايا -
- ويطمع الحبر في التقاضي * فيكشف الخبر عن قضايا -
فسبحان من سلكه ينابيع في القلوب ، وصرفه بأبدع معنى وأغرب أسلوب ،
البرهان — صفحة 4
مساهمون: الزركشي
ص٤