تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تجارب الأمم — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
خوّف باللَّه خاف وارتاع . فأفعاله أفعال العباد ، وأخلاقه أخلاق الزهاد ، مع انقياد الدنيا له في الإصدار والإيراد ، ونفاذ أمره على الرعايا والأجناد ، وجمعه في منهل العدل بين الظباء والآساد . فأىّ دولة تباهي هذه الدولة القاهرة في مناقبها ومآثرها ، وأىّ أيام تضاهى هذه الأيّام الزاهرة في محاسنها ومفاخرها ، وأىّ قول ينتهى إلى حدّ وصفها وان امتدّ وطال ، وأىّ بليغ يبلغ أمد فضلها وإن أسهب وقال . فأعود الآن إلى ذكر ما أنا قاصده من الاختيار ، متبرّئا من عهدة ما أورده من الأخبار ، لأنّى أتبع في كتاب التاريخ مسطورها ، فأختار بحسب المعرفة عقودها وميسورها . وما عساه يندر من خبر شاذّ تلقف من أفواه الرجال ، وخلا التاريخ من ذكره إمّا بخفاء أو نسيان أو إغفال . فإنّه يثبت في بواطنه ، وينظم مع قرائنه . وإذا انتهيت ، إنشاء الله سبحانه ، إلى أخبار زماننا اتسع المجال ، وأمكن المقال ، وعمدت حينئذ إلى ما شاهدناه وخبرناه فأخبرت به على وجهه وذكرته مجتهدا في التحرّى وبحسب الإمكان الذي لا أقدر على سواه ، [ 15 ] وبقدر الوسع الذي لا يكلَّف الله نفسا إلَّا إيّاه . وأوّل ما أبدأ به الآن في كتابي ، هو آخر ما ختم أبو علي مسكويه [ 1 ] رحمه الله ، به كتابه في سنة تسع وستين وثلاثمائة ، والله تعالى ولى حسن التوفيق ، والهادي في جميع المقاصد إلى سواء الطريق ، وبه أعوذ من الخطل ، واعتصم من الزلل ، وإيّاه أسأل خاتمة جميلة ، بالمغفرة كفيلة . إنّه غفور رحيم . ( انتهت المقدمة )
هامش
[ 1 ] . وإذا قارنّا بين الموطنين اللذين أورد فيهما الروذراورى ذكر مسكويه ، تبيّن لنا مرّة أخرى أنّ « مسكويه » لقبه هو ، لا لقب أبيه محمد ، أو جدّه يعقوب ، انظر مقالنا في التصدير ، في صدر الجزء الأوّل من تجارب الأمم .
تجارب الأمم — صفحة 16 | أحمد بن محمد مسكويه الرازي / أبو القاسم امامي